الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 01:32 م

مقالات وآراء

الدرة الفلسطيني والدرة السوري

حجم الخط

كان حدثا هزّ أصحاب الضمائر على امتداد العالم أن يقتل طفل بريء أعزل في حضن والده عن سابق إصرار وترصّد بينما صوت استغاثاته يتعالى ليصدع قلوب الأحياء إلاّ قلب قاتله الميت.

 

محمد الدرة الطفل الذي خلد اسمه وخلدت قصته على الرغم من مأساويتها لتثبت أنّ البطولة لا تعرف سنا كما أنّ الاحتلال المجرم لا يعرف الرحمة لا لصغير ولا لكبير، وأنّ العيش بذلة لا يسمح للأب أن يكون أبا ولا للأطفال أن يحيوا طفولتهم، وأنّ الرفض معناه أن تستعد للضحية.

 

وجّهوا الرصاص نحو رأسه كما يفعل كل القناصة فهل كانوا يريدون موت الطفل أم موت الفكرة في رأسه ورؤوس من شاهدوه؟

نعرف أنّ البشر يتناسلون، فهل تتناسل المبادىء وتتوالد وتنتقل ما بين الناس؟ نعرف كذلك أنّ الأرث ينتقل في عصبة الدم، فهل ينتقل أيضا في عصبة الدين والأمة؟!

 

اثنتا عشرة سنة مرت على استشهاد محمد الدرة في فلسطين ولكن الرمز لم يموت، وأراد الله أن تعود الذكرى بجسد وروح بشر يدبّ على الأرض فعبرت روح الشهيد من فلسطين إلى سوريا ليستلم الأمانة ويحيي سُنّة التضحية درة آخر واسم خيّر آخر هو الشهيد محمود الدرة الذي استشهد قبل عدة أيام في ريف دمشق والتحق بركب شهداء الثورة السورية، ليؤكد أنّ هذه الأمة ما زالت حية على امتداد أوطانها، فالاسم ذات الاسم، والقاتل ذات القاتل باطش غادر لا يعرف الرحمة، والدم ذات الدم ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم "والمسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم" والروح ذات الروح بالرغم من تشويه الجسد تحلّق في حواصل طير خضر.

 

استشهاد محمد الدرة صوّره المصور أبو رحمة ونقله بأمانة للعالم وتحمّل الضغط مقابل شهادة حق على بشاعة الجريمة، وشهادة محمود الدرة تمّت تحت أعين بعثة المراقبين العرب، فهل ينطقون بالحق أم يشهدون بالزور ويذهب دم محمود هدرا ويفلت المجرم من عقاب الدنيا؟!

 

ما بين الدرة الفلسطيني وعمه الثلاثيني السوري نعرف أنّ التاريخ فينا لا يموت وأننا لسنا أحفادا عاقّين لنضال ومجد آبائنا الأوائل.

لبلاد العُرب اليوم وصف آخر ووحدة حقى بلون الدم، فلقد اتصل الماضي بالحاضر ليصوغ مستقبلا مزهوا بالنصر والحرية إن شاء الله.

 

ما بين محمد الدرة ومحمود الدرة تتواصل قافلة الدرر من الشهداء وسوريا ترث شيئا من مجد فلسطين

وصدق الشاعر إذ قال:

إذا مـات فـينا سـيد قام سيد قؤول لما قال الكرام فعولُ

وما مات منّا سيد حتف أنفه ولا طال منّا حيث كان قتيلُ

يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتـطـولُ

اللهم قرب النصر بحق وحرمة دماء الدرّتين.