تتطلع عيون الآلاف من العرب في آخر ليلة من كل عام نحو القنوات الفضائية لحضور توقعات من يسمون بالفلكيين أو الروحانيين لعلهم يجدون فيها ما يطمئن نفوسهم ويبشّرهم بمستقبل أفضل يرونه في النجوم بدل أن يصنعوه بأيديهم! وكأنّ النجوم تمطر آمالا وأحلاما ومصابيح سحرية تقول لأصحاب الأماني "شبّيك لبّيك اطلب واتمنّى".
عيون الآلاف تتطلّع وتثق بشرذمة تتدّعي رؤية عالم ما انفتح حتى للرسل إلاّ بإرادة الله، فكان أن أقرّ الرسل بضعفهم وقصر نظرهم عن معرفة الغيب، وهو ما أخبر به القرآن عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم "ولو كنت أعلم الغيب لأستكثرت من الخير وما مسّني السوء".
إلاّ أنّ هناك شعوبا لا تطير في السماء ولا تعيش في أحلام اليقظة، بل تصنع نجومها المضيئة مصابيح تنير حياتها على الأرض دعة وراحة ورفاهية وغنى واستقرارا، وهناك شواهد لا ترجم بالغيب ولا تستقسم بالأزلام ولا تستدعي العوالم التي خفيت عنّا بأمر الله، إنّها شواهد أرضية تراها العين وتدركها الحواس مؤكّدة بالأرقام والدراسات والإحصائيات، ومنها تقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2011، والذي أظهر أنّ الفساد ضرب أطنابه واستشرى واستوطن الدول العربية التي أحرزت نتائج عالية في الفساد ومراتب متدنية على المقياس مقارنة مع 183 دولة حول العالم خضعت للدراسة والتصنيف، وأحرزت نيوزيلندا، الدنمارك وفنلندا المراكز العليا على مستوى الدول الأقل فسادا، وبالذات فيما يخص القطاع العام الذي يخدم أغلبية الشعب.
أما الدول العربية فكلّها في الفساد شرق لا فرق بين دولة فقيرة وغنية، وفي بعض الحالات تزيد الدول النفطية فسادا عن الدول الفقيرة، وتهم الفساد بحسب المقياس تشمل الإثراء غير المشروع، الرشوة، الاختلاس، التضييق على مؤسسات مكافحة الفساد، فساد القضاء، الحد من حرية الصحافة والإعلام وانتقال المعلومات، الفساد في مجالات الدفاع والأمن والصحة والتعليم والخدمات والعطاءات العامة، وقد أحرزت قطر المركز 22 من 183 دولة ب 7.2 نقطة على مقياس الشفافية، الذي يمتد من 0 وتمثّل نقطة الأكثر فسادا إلى 10 وتمثّل الأقل فسادا، ولحقتها الإمارات في المركز 28 ب6.8 نقطة، بينما جاء الكيان الصهيوني الذي يفاخر بأنّه دوحة الديمقراطية في الشرق الأوسط في المركز 36 ب 5.8 نقطة! وجاءت البحرين في المرتبة 46 ب 5.1 نقطة، بينما حلّت الأردن في المرتبة 56 ب 4.5 متأخرة بست نقاط عن مستواها في العام الماضي، مما يدلل على عدمية وفشل سياسات الإصلاح الحكومية وعدم قدرتها على مكافحة الفساد، فيما فات اليمن قطار مكافحة الفساد لتحل في المراتب قبل الأخيرة في المركز 164 ب2.1 نقطة، وجاءت الصومال مع أفغانستان وميانمار وكوريا الشمالية كأكثر الدول فسادا على مستوى العالم.
وأحرزت الدول العربية المراكز الأولى في الدول النامية والدول الفقيرة والدول الأكثر فسادا!
وبينما النجوم تأفل أحيانا وتضيء أحيانا وقد تحجبها سماء مظلمة إلاّ أنّ الأرقام لا تكذب، ولعل لغتها أصدق من لغة النجوم التي يفسّرها منجمون كاذبون ولو صدقوا، وصدق الشاعر إذ قال:
لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
سلوهن إن كذبتموني متى الفتى
يذوق المنايا أو متى الغيث واقع
يحكى أنّه في بلاد بعيدة كان هناك دولة نزيهة نظيفة، وكان دخل الفرد فيها 28000 دولار، وكان الناتج المحلي الإجمالي 118 بليون دولار، وكان معدل البطالة 3.4 في المئة، وكانت تحتل المرتبة الأولى على 183 دولة كالدولة الأقل فسادا في العالم واسمها نيوزيلندا!
لا ليست هذه قصة خرافية ولا أسطورة من ألف ليلة وليلة، إنّها قصة بلد على الخارطة كانت حتى آخر الثمانينيات أقل بلد أوروبي في مستوى دخل أفراده، إلاّ أن قرر ساساتها ومواطنوها أنّهم يستحقون حياة أفضل فصنعوها بأيديهم وحاربوا الفساد والترهل، حتى أصبحوا النموذج والقدوة، لم يناجوا النجوم ولم يجلسوا على الشباك ينتظرون ظهور القمر أو بزوغ الشمس، لقد مشوا طريق الألف ميل حتى أحرزوا هذه النتيجة.
قالوا قديما في الأمثال: "اسعى يا عبدي وأنا بسعى معك"، وقد علّمتنا الثورات أنّ المطالب لا تأتي بالتمنّي ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، والتطلع إلى النجوم بغير عبرة الوصول إليها وإدراك منزلتها أخرج لنا شعراء محلّقين تاهوا وأضاعونا في مدرارات الغزل والوصف، ولكن المصلحين أقدامهم تمشي على الأرض وتنظر للبشر كأعظم مورد ومدد.
المستقبل يبدأ من إصلاح الأرض وأهل الأرض، فإذا انتهت المهمة تطلّعنا إلى النجوم والكواكب، فهي من خلق الله نستعين بها على فهم آيات الله.
كل عام وأنتم من أهل الشفافية.


