"شقفة ولد أو بنت حتى لو كان معوقا، بكاء طفل صغير في البيت، كلمة ماما، طفل أرضعه أصحو له، أمرض لمرضه، أطعمه ألبسه، يشبع عاطفة الأمومة في قلبي ويسكن نار الحرمان في صدري".
من بين دموع عينيها بثّتني ألما صبرت عليه لمدة 15 سنة من الزواج لم تترك فيها بابا إلاّ وطرقته يحدوها أمل بالله، جرّبت الطب التلقليدي والشعبي والعطارة ولم تدع وصفة قيلت لها إلاّ ونفّذتها ودفعت آلافا مؤلفة في عمليات أطفال الأنابيب دون أيّ نتيجة، وعندما تراها تجدها حطام أنثى وزوجة وأم فقدت زينة الحياة الدنيا ففقدت معها حماسة الحياة والرغبة فيها.
ليست حالة فريدة ولكم نشاهد في حياتنا مآسٍ لأزواج وزوجات لم يرزقهم الله بالذرية الصالحة، ورزق بعضهم الصبر والاشتغال بأمر دينه ودنياه، ومن رق دينه ظل ساخطا على القدر!
ولكن ليس كل الناس يعرف الألم والأمل الذي يحدو المحروم! ليست كل النساء ينتظرن على أحر من الجمر تلك الكلمة (إيجابي positive) بعد كل فحص حمل وكأنهن ينتظرن قرارا بالموت أو الحياة! بل كثيرا ما تبكي بعض الأمهات بكاء مرا حنقا وغضبا فور ما تعلم أو تحس بأنّ حملا جديدا يتشكّل في رحمها، وكثيرا ما نرى أزواجا ساخطين على رزق الله من العيال بدعوى الاكتفاء من الولد وعدم القدرة على تأمين سبل العيش الكريم لأولادهم، وتبرر الأمهات الأمر بالغلطة التي لم تكن متوقعة أو مقصودة، بل وتلجأ بعضهن إلى طرق الجهالة القديمة في أزمان جداتنا بإرهاق أنفسهن في أعمال المنزل أو نط الحبل أو شرب زيت الخروع لعل الجنين يسقط في أول أيامه! وإذا لم تنفع الوسائل البسيطة فقد لا يمانع البعض في اللجوء إلى عمليات الإجهاض ويفصّلون الفتاوى على أهوائهم وحاجاتهم في قضية نفخ الروح والتشكُّل وموعدهما حتى يبرروا لأنفسهم قتل نفس أمر الله بخلقها!
كلاهما مستميت المحروم من الولد وصاحب العيال المكتفي وكل يريد ما في يد الآخر، وصاحب العيال زاهد فيما بين يديه ظنا منه أنّ عمله هو فقط مورد رزقه وأنّ الرزق يحسب بالدرهم والدينار وأنّه لم يعد في استطاعته أن يطعم الأفواه والأرانب الموجودة في بيته فكيف يكون الحال لو زادت واحدا أو واحدة؟!
لقد علم الله سبحانه وتعالى جهالة ونسيان وطغيان بني آدم فلم يقسم بنفسه سوى في موطن الرزق ليعلم البشر أن لا أحد يملك لآخر قطرة ماء إلاّ بأمر الله، فقال سبحانه "وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنّه لحق مثلما أنّكم تنطقون"، فتعجّب الأعرابي لمّا سمع الآية وقال: سبحان الله! مَن الذي أغضب الجليل حتى حلف؟ لم يُصدّقوه بقوله حتى حلف"، وقيل في تفسير الآية أنّ الملائكة لما سمعتها ضجّت في السماء وقالت: "ما أضعف بني آدم حتى أحوجوا ربهم إلى الحلف".
وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ رزق الإنسان مكتوب من أول تخلُّقه "إنّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد"، وقال أيضا: "إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فاتقوا الله ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإنّ الله تعالى لا ينال ما عنده إلاّ بطاعته".
لقد أنتجت قناة البي بي سي عام 1985 فيلما وثائقيا عن إجهاض الأطفال بطله جنين عمره اثنا عشر أسبوعا يصدر عنه صراخ يقطع نياط القلوب وهو يحاول الهرب من أجهزة الطبيب التي تحاول قتله، وأحدث القيلم ضجة واسعة على صعيد المؤسسات الدينية والأسرية والاجتماعية، فمن منا يستطيع، أما أو أبا، أن يعيش مع ذنب إزهاق روح تستغيث أن أنقذوني؟!
"إنّ السقط ليراغم ربه إذا أدخل أبويه النار، فيقال: أيها السقط المراغم ربه، أدخل أبويك الجنة فيجرهما بسرره حتى يدخلهما الجنة"، فماذا يفعل من أُسقط قصرا بعد أن قضى الله أن يكون ولو بنطفة من دم؟!
أيها الآباء والأمهات انظروا إلى من فوقكم في الابتلاء ممن حرموا الذرية لتوقنوا أنّ الله فضّلكم على كثير من العالمين وأستودعكم أمانة، فهل أنتم لها حافظون؟!
