الحمد لله أنّ والدي ربّاني مثل تلك الصحابية التي عندما لم ترض بحكم الرجال عليها بما فيهم والدها ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلب حر ورأي حر تشكو ظلما كان سيلحق بها، فمدح الرسول صنيعها وأجرى رأيها، ولكنها بأدب الابنة البارة أجرت ما قال أبوها، وإنّي لأجري من البداية ما كتبه والدي من حِلة التعدد، فمعاذ الله أن نحرّم ما أحل الله حتى لو ترك ذلك ألما في نفوسنا كما ترك في نفوس أمهات المؤمنين، فتمام الانصياع لله يكون فيما نحب ونكره، بل إنّ تمام المحبة لله يقتضي التسليم بقضاءه وأعلى درجاتها يكون بالرضا والشكر.
غير أنّك يا والدي لست حكما على التعدد برغم أنك من المعددين فأنت والله حسيبك فيما أرى من القلة الذين قاربوا شيئا من العدل فاعتدلت نساؤهم وأولادهم وجمع بين الجميع حب وأخوة، وصار لي شخصيا بعد أن كنت وحيدة أمي أخوان وأخت ولزوجة أبي الفاضلة، باعتراف أمي، حفظها الله، فضل كبير في تربيتي، أنت بالتأكيد يا أبي لست حكما إطلاقا، فالتحيز عندك للإيجابيات كبير، ولا يحكم على الأمر بالنوادر وإنما بالتكرار والتوالي ومن كل عشرة معددين لا تخرج واحدا عادلا، وبقية الحسبة يعرف الناس أحوالهم دون الحاجة إلى أن أقنعهم وأكتب لهم.
ورأيي في التعدد ليس نظريا ولا سطحيا، بل من تجربة ومشاهدات يدمي شوكها ويكسر النفس ختامها ويتعلم العقل منها دروسا لا تنسى، أما الحلال ولإباحة في التعدد فهو الحلال بين خوفين أو تحذيرين في قوله تعالى «وإن خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألاّ تعدلوا فواحدة»، وقد بيّنت الآية الكريمة العلة والسبب من التخويف الثاني وهو مخافة عدم العدل عند التعدد، وقد كان الصحابة يتركون ثلاثة أرباع الحلال مخافة أن يقعوا في شيء من الحرام.
ولقد أساء المعددون للتعدد قبل أن يسيء الإعلام وغيره، فكانت تجاربهم الفاشلة على الأغلب والبواعث على التعدد هي سبب نفور الناس منه واعتباره شرا محضا، وبالذات النساء اللواتي تغلب عليهن العاطفة بطبيعة الجبلة التي فطرهن الله عليها، فأغلب المعددين سفراء سوء وحملة راية نكسوها بتصرفاتهم التي لا بد أن يخرج منها طرف خاسر: إمّا العائلة الأولى والزوجة الأولى الذين يطويهم النسيان إلاّ من زيارة شفقة وواجبات قد يؤديها من عنده بقية من مخافة لله، وقد ينساها ويتهرّب منها من يرى أنّ دوره مع الأسرة الأولى ليس أكثر من جيب ممول لاحتياجاتهم! وقد يكون الخاسر الطرف الثاني عندما يصحو المعدد بعد ضغط الأهل والأولاد ليحس بعد خراب مالطا أنّ زواجه الثاني لم يكن أكثر من نزوة يسهل عليه محوها من حياته بلفظة وجرة قلم، وكم من قصة تعدد لكبار المشايخ الذين يمنع الاحترام لهم ذكرها والتصريح بها انتهت نهاية مؤلمة بحق الدين والأشخاص والمبادىء وخرج العامة منها بالتعليق: «انظروا ماذا يفعل المشايخ!».
إنّ الزواج أمر عظيم، أعظم من الحب والمشاعر، وما هذه والإعجاب إلاّ محركات ومحفزات لاتمامه، فقد أراد صحابي أن يتزوج وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيته، فقال له أن يذهب وينظر إلى خطيبته لعله يرى منها ما يعجبه وترى منه ما يعجبها، ولكن الغاية كانت واضحة وكذلك الأهداف، ثم جاءت بعد ذلك الوسائل التي تضمن تحقيقها على أتم وجه. إنّ الزواج مسؤولية وخلافة وعمارة ودولة وأمة، فكل هذه اللبنات العظيمة تبدأ من الزواج الناجح، وليس الزواج الناجح الذي يخلو من المشاكل والمنفرات والنقائص، إنما هو الزواج الذي يغلب خيره على شره وتغلب فيه الطبائع الحسنة على طباع السوء.
والزواج أولا أو رابعا ليس تسلية أو تجربة، ولا قضاء حاجة، ولا نزوة عمرية أو تجديد شباب، ولا انتقاما ولا تأديبا ولا هربا، كل هذه المعاذير التي قد يسوقها الرجال لم يجعلها الشارع من مقاصد الزواج الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنّه نصف الدين.
وقد لا نفهم أسباب الرجال للتعدد، فهذه كما يقول والدي لا يفهم فيها الرجل إلاّ رجل مثله! وكأننا لم نخلق من طينة واحدة ونفس واحدة، وكأن الرجال كما يقولون من كوكب المريخ بينما النساء من كوكب الزهرة! ولكننا نفهم حلول السنة، فلو كانت الحاجة الجسدية فإنّ الرسول نصح رجلا نظر إلى امرأة فأعجبته أن يذهب إلى امرأته فإنّ عند زوجته ما عند المرأة الغريبة التي يزيّنها الشيطان حتى يلقي به في مهاوي الرذيلة، والحاجة الجسدية جزء من الزواج وليست أهم ما فيه، وهي حاجة كالطعام والشراب إذا أكثر الإنسان منها يصاب بالتخمة وربما الموت، لذا نصح سيدنا علي بن أبي طالب فقال: «ومن أراد البقاء، ولا بقاء، فليقلل من إتيان النساء».
ولكننا نفهم أنّ في طبيعة الإنسان طمع وتطلُّع إلى زيادة في النساء والبنين والقناطير المقنطرة، ولا يملأ عين ابن آدم إلاّ التراب، ولقد أحسن ابن الجوزي وصف الطمع والجشع في النساء ونتائجه الوخيمة فقال: «من أعظم الضرر الداخل على الإنسان كثرة النساء. إنّه أولا يتشتت همه في محبتهن، ومداراتهن وغيرتهن والإنفاق عليهن، ثم يطلب ما لا يقدر عليه من غيرهن، حتى أنّه لو قدر على نساء بغداد كلهن فقدمت إمرأة مستترة من غير البلد ظن أنّه يجد عندها ما ليس عندهن. ورب لذة كانت سببا في انقطاع لذات، والعاقل من يقتصر على الواحدة إذا وافقت غرضه، ولا بد أن يكون فيها شيء لا يوافق، إنما العمل على الغالب، فتوهب الخلة الردية للمجيدة. وينبغي أن يكون النظر إلى باب الدين قبل النظر إلى الحسن، فإنه إذ قل الدين لم ينتفع ذو مروءة بتلك المرأة».
أما الحاجة الروحية والنفسية فمفروغ أنّ الحب عند المرأة لفظي وعند الرجل عملي، والرجل لسوء أحوال زماننا لا يستطيع أن يؤدي حق زوجة واحدة من الكلام الطيب والمجاملة، فكيف يصبح الحال وعنده 2 أو 3 أو 4 زوجات لا يستطيع أن يؤمّن لهن ولأولادهن سبل العيش الكريم، فتختفي مع الوقت وصعوبة الحياة الكلمة الطيبة واللمسة الحانية ويسود الخرس العاطفي بين الأزواج.
وبينما يبيّن التفسير أنّ العدل المقصود في التعدد هو العدل في النفقة والمبيت، إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى رب القلوب نبّه رسوله الكريم إلى أنّ هناك لمسة حنان وحبة مسك فوق المال والمبيت ربما لو وجدتها المرأة عند الرجل لرضيت بالضرة والمرّة وضيق الأحوال، وصفها سبحانه فقال: «ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن»، وهل تبحث المرأة عن أكثر من قرة العين والرضا؟
يحاججني والدي، وهو الحاجب فوق عيني والمداد يسري في قلمي، فيقول لي: إنّ مجتمع الرسول والصحابة لم يكن به امرأة عزباء ولا مطلقة ولا أرملة، وجوابي البسيط: أعطني رجالا مثل محمد صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر لأكتب مقالا غدا عن سابق إرصاد وترصد بعنوان: أيها الرجال عددوا ولا تفردوا.
إنّ الظروف الصالحة أبتاه تقوم على أكتاف رجال صالحين، والله لن يغيّر ما بنفوس الناس حول التعدد حتى يغيّر المعددون ما يفعلونه.
التعدد حلال حلال حلال من اليوم إلى آخر كلمة أكتبها في حياتي ولكنه الحلال الصعب، الحلال الجليل، الحلال الخطير، الحلال الذي يحتاج إلى قلب كبير وعقل كبير وجيب كبير، لأنّه إما يجعلك أيها الرجل راعيا عادلا كالإمام العادل قريب إلى عرش الرحمن يوم القيامة أو يسوقك بشق مائل في يوم لا ينفع فيه إلاّ من أتى الله بحال وعمل مستقيم.
أما الظالمون الغاشمون من المعددين فعسى الله أن يهديهم إلى صراط العدل المستقيم، وإلاّ فإنّ ما بين قلب امرأة مكلومة من زوجها وما بين عرش الرحمن ليس أكثر من دعوة صادقة تفتح لها أبواب السماء، ولقد جاء في القصص أنّ زوجا ظلم زوجته وغصبها حقوقها وطلّقها، فأرسلت له تقول: زدنا ظلما حتى نزيد في دعاء السَحَر، فما مضى عليه يومين إلاّ وقد اعتلّ وأشرف على الموت، فأنشد:
بغيتُ والبغي سهام تنتظر
رمتني بأيدي المنايا والقدر
سهام أيدي القانتات في السحر
يرمين عن قوس له الليل وتر


