الإثنين 05 يناير 2026 الساعة 09:15 ص

مقالات وآراء

سوريا وروسيا

حجم الخط

لا أدري كيف خطر على بالي كتاب "جدلية الحرف العربي" لمحمد عنبر، وأنا أراقب المظاهرات في 25 مدينة روسية، منها موسكو، يوم 10 ديسمبر، ضد نظام "بوتين- مدفيديف"! قلت: ربما انتقل فيروس الثورة السورية إلى قبة الكرملين. هنا فهمت لماذا كان يتعاطف القذافي و"صالح" مع نظام الأسد، ولماذا تتعاطف الصين مع نظام الشبيحة، وتحاول إزالة كلمتي مصر و"ربيع عربي" من كل الحواسيب الصينية!

 

كتاب "جدلية الحرف العربي" أراد توليد الحقائق من الكلمات، فقال إن كل كلمة تحمل ذاتها ونقيضها في نفس المسار، حيث تعبر قنطرة من التشديد فتصل إلى الطرف الآخر، مثلا ربّ (هي رب ب) وبرّ (هي بر ر) وعلى هذا المنوال جرّ ورجّ، ودرّ وردّ، وعقّ وقعّ، ومرّ ورمّ… إلخ.

 

وقد رأيت نوراً في كلمتي روسيا وسوريا (تأمل روس= سور) أنه بقلب الكلمة من اليمين للشمال وبالعكس نصل للطرف الثاني، وباعتبار كلا النظامين "يساريين"، فكل منهما ينفذ لمفاصل ودماء الآخر بامتياز.

 

ويوازي هذا أيضاً كوريا وسوريا، بتغيير الحرف الأول فقط ، للوصول إلى تركيبة النظام ذاتها من بقايا الجيوب الستالينية مثل بورما وكوبا وكوريا، وحالياً روسيا تحت قيادة رجل المخابرات السابق. إنه بوتين نفسه، وإن كان تحت مظلة "الديمقراطية". لكن رجل المخابرات يبقى من الفصيلة ذاتها دون تغير. أما الديمقراطية فهي وهمٌ يجب التفطن لطبيعته. فديمقراطية أثينا أعدمت أهم عقل مرّ على البشرية (سقراط)! وها نحن في مصر أمام ديمقراطية سلفية! الأسد الأب كان يقول للأميركيين أنتم عندكم حزبان، وأنا عندي تسعة من "الجبهة التقدمية"!

 

وبالعودة إلى جدلية الحرف العربي بين روسيا وسوريا، يتعين أن نفهم أن فيروس الثورة السورية الذي أصاب "وول ستريت" في نيويورك، بانت أعراضه في مظاهرات موسكو حين خرج الناس وهم يهتفون بتكذيب بوتين. إن رجال المخابرات هم من نفس الملة والمذهب.

 

كتبت عن فلسفة المسؤولية حين نفى الأسد أية علاقة له بآلة القتل في سوريا، فأرسل لي صديق من "كفر نبل" قائلا: إنه مجنون كما وصف نفسه عندما قال "من يعطي الأمر بقتل شعبه مجنون"، لكنه هو من يوقع على أوامر القتل! يا صديقي يحكمنا رجل "مجنون"، ومن خلفه عصابة من تسعة عشر فرعاً. لم يترك لنا وقتاً للتمسك بالسلمية. لا أدري هل سأبقى حياً لأقرأ لك بريداً آخر؟ جوالي اليوم فيه رقم أكثر من عشرين شهيداً، سيأتي يوم وأكون رقماً في جوال الأصدقاء وأتمنى أن أكون حقاً شهيداً. فأجبته بقولي: إنه مخاض عسير، لكن صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة. أنتم تصنعون التاريخ، ونحن نكتب ما يحدث ونؤرخ لما يحدث.

 

أنا متيقن ببزوغ فجر جديد رغم حلف بوتين -الأسد، لأن الشعب إذا أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر ولابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر. نهاية النظام اقتربت وهو يريد أخذ أكبر قدر من الضحايا معه إلى الهاوية. مشكلة التورط في العمل المسلح أنه يسهِّل مهمة النظام، كما يرفع عدد الضحايا وكمية الخراب. والاقتتال الحالي في ليبيا هو ضريبة الاعتماد على السلاح لإزاحة الطاغية. ومع هذا فالكفاح السلمي صعب، لكن ثمراته دوماً مباركة في ولادة أمة محررة من علاقات القوة.