الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:39 م

مقالات وآراء

علم الحديث… دراية

حجم الخط

أرسل لي أخ فاضل عن ادعاء كشف خطير، يشكل إعجازا علميا جديدا "يوضح" كيف تقشع الحمير الشياطين، وكيف تبصر الديكة الملائكة؟ قال الرجل: لقد كشف العلم الحديث أن عيون الحمير فيها من رقي الشبكية بما ترى الأشعة تحت الحمراء، وإذ كانت الشياطين المردة من مارج من نار؛ فإن قدرة الشبكية في عيون الحمير الظريفة تدرك فوراً أن شيطاناً مر فتبدأ في النهيق!

 

أما الديكة الظريفة؛ فنظراً لامتلاء شبكية العين عندها بمزية إدراك الأشعة ما فوق البنفسجية؛ فإن مرور الملائكة أمامها يجعلها تبدأ فوراً بالصياح. لكننا لم نعرف شيئاً عن مواعيد مرور الشياطين والملائكة، ذلك أن الديكة تبدأ في الصياح قبيل الفجر، وتسكت معظم النهار، أما الحمير فمزاجية، وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير!

 

الشاهد في كل هذه القصة هو موضة "الإعجاز العلمي"، فقد كان علماؤنا فيما سبق حكماء، حين قسموا الحديث إلى نوعين من ناحية الصحة؛ فقالوا بمصطلح علم الحديث رواية، وعلم الحديث دراية، أي تتبع صحة الحديث من مسلكين؛ تسلسل وروده، ومدى مطابقته للمنقول والمعقول، أي ما إذا كان مطابقاً لسنن الاجماع، حسب تعبير ابن خلدون الذي وضع قواعد صارمة من ست زوايا للتحقق من صحة الخبر المنقول، وجاء إلى التاريخ فوضع ست روايات لأئمة النقل، حسب تعبيره، ففندها كما فعل مع رواية جيش موسى البالغ 600 ألف عسكري، وذلك بالاستناد إلى معطيات لوجستية بحتة. أو قصة بناء الأهرامات من أقوام يبلغ طولهم مائة متر يقال إنهم "العمالقة"، وقد فندها أيضاً وأعادها إلى قدرة الحضارات وجبروتها.

 

كذلك القصة القائلة إن العباسة أخت الرشيد كانت خليلة للبرمكي وما شابه، وقد دحضها هي أيضاً بالاستناد إلى قرب العباسيين من البداوة التي تأبى أخلاق القصور وتحلل الأخلاق فيها.

 

لكن تراثنا للأسف الشديد لم يستفد الشيء الكثير من ابن خلدون، بل كان كشفه على أيدي مؤرخين غربيين عاشوا الحداثة ونظروا إلى التراث نظرة تاريخية، وهو ما حدا بمحمد عبده أن يتعمد تدريس المقدمة للطلبة في الأزهر.

 

ونرجع إلى قصة الدراية والرواية؛ فلأن الفكر الإسلامي لم يتجاوز شاطئ النقل، فقد قتل العقل، ومع قتل العقل انهارت الحضارة الإسلامية مثل سفينة التيتانيك وما زالت باتجاه القاع.

 

ولذا أعتقد أننا اليوم بحاجة إلى فكرة الانفجارية، أي اعتماد عقلية جديدة لإعادة تكرير التراث مثل تكرار السكر الخام، من أجل الوصول إلى الأفكار الإيجابية، ومنه أيضاً فهم القرآن من خلال اعتماد العلوم الإنسانية المساعدة، فلا يعقل أن نفهم مصدر الطاقة اللانهائي، أي القرآن الكريم، من خلال تفسير ابن كثير الذي كتبه قبل 800 سنة في ظروف تاريخية خاصة. إن ذلك يشبه الدخول على جمجمة مريض باستعمال أدوات الجراحة من أيام الرازي وابن سينا التي أصبحت في متحف التاريخ.

 

إنها أفكار خطيرة جداً… وانفجارية جداً… وتصحيحية جداً، لكن لابد منها، فلا يعقل أن نستمر في تكبيل عقول الملايين من الشباب بالترهات والخرافات.

 

حسناً إن أمكن الوصول إلى المصادر العلمية الموثقة، فحينها يمكن النظر بمعيار الحكمة، كما يقول ابن خلدون، وهنا تبدأ مرحلة ولادة العقل الإسلامي الحديث.