في نوفمبر 2011 فازت حركة "النهضة" في تونس بأزيد من 40 في المئة من مقاعد المجلس التأسيسي، كما فاز "حزب العدالة والتنمية" بأكثر من مائة مقعد في المغرب، وهذا يعني أن التيار الإسلامي المغضوب عليه أصبح مرضياً عنه. لكن التحدي الآن هو هل سينجح هذا التيار في الشمال الأفريقي فيما نجح فيه نظراؤه الأتراك؟
الجواب في علم الغيب، لكن قناعتي أن المهمة ثقيلة ثقل الجبال الراسيات، لاسيما في واقع أمة مشلولة منذ عصر كافور الإخشيدي، فلا ينبغي أن ننتظر من مريض كان في العناية المركزة، ولأمد طويل، أن يدخل في مسابقات الماراثون!
في سورة الأعراف استعراض عميق للتحولات الاجتماعية الضخمة من ثلاث جهات: فرعون وجنوده، وبني إسرائيل، وموسى وفريقه. أما فرعون فقالت له العصابة الحاكمة من حوله (الملأ)، كيف تترك موسى ومن معه يفسدون في الأرض ويذروك وآلهتك؟ فكان جواب فرعون القتل، كما فعل القذافي ونظراؤه! قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون!
وفي مواجهة تهديد من هذا النوع تقول حكمة موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
لكن الفريق الثالث (بنو إسرائيل) ملَّوا من هذا الاضطهاد الطويل الذي لا ينتهي، والليل البهيم الذي لا طلوع لفجره، قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا! فيكون رد موسى على هؤلاء القوم الذين فقدوا صبرهم: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.
فرعون يؤمن بالقتل توسيداً لعرشه، وقوم موسى ملَّوا من الاضطهاد الطويل المضني، وموسى يرى حكمة التاريخ من وجهة أخرى مختلفة، وهي أن المشكلة ليست في إزاحة فرعون، بل ولادة وضع جديد مختلف، فإذا استبدلنا فرعون بفرعون لن يتغير شيء سوى إضاعة الجهود والفرص التاريخية.
وفي تونس والمغرب تقع مهمة شاقة على "النهضة" و"العدالة والتنمية"، والوقت ليس فرصة لكسب المناصب وتوظيف المحاسيب والمحسوبين، بل للبس ملابس العمل والنزول إلى الشارع. وفي قناعتي أن أعظم المعارك هي في مستوى البلديات، حيث يتعين تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها الناس، من ترخيص لأسعار الطاقة وباقي السلع الحيوية، وتوفير لفرص العمل… حتى لا يهرب المساكين من الناس بقوارب الموت إلى أوروبا.
أعرف عائلة من الريف المغربي أنجبت فيها الأم أزيد من عشرة أطفال، تشردوا الآن في عرض الكرة الأرضية وعرضها، فقد ذهبت الفتاة الكبرى إلى أميركا، ثم لحق بها الأخ الأكبر، وطار اثنان إلى إسبانيا، والثالث في طريقه للحاق بهم، وذهبت فتاة إلى دولة خليجية. أما بقية العائلة فلا أمل لهم في وظيفة أو عمل أو دراسة أو حياة كريمة. لذلك، فالمهمة شاقة على عاتق أي تيار يفوز بالانتخابات ويثق فيه الناس حالياً!
يقول مالك بن نبي عن الأمة الألمانية في فترة ما بين الحربين، إن الألمان اقتنعوا بالنازية فانساقوا خلف الفوهرر (الزعيم). ومن ذلك يستخلص بن نبي أن الجماهير تتحرك بدافع شعورين؛ إما الخوف أو الرغبة بالخلاص. أما الفوهرر فسارت خلفه جماهير عمياء، ليس بعصا النبوة، بل بالصليب المعقوف، فغرق هو ومن معه أجمعين. وإن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم.
