الخميس 01 يناير 2026 الساعة 06:20 م

مقالات وآراء

إحذروا المؤامرات على الثورات !

حجم الخط

لم يحدث في التاريخ أن يصيرَ حالُ شعـوبٍ _ وقد بدأ يتغيـَّر بحمد الله تعالى _ وهي بهذا الكم العمـلاق من الديمغرافيا ، وبهذه المساحة الهائلة من الجغرافيا المحتضنـة لهذه الأحجـام الخيالية من الثروات !

 

 أن تصيـرَ فريسةً تتداعى إليها كلُّ هذه القوى من الفساد ، كلُّ منها يقضم جانبا من حـرّيتها ، فالمشروع الصهيوغربي يقضم _ مع أوليائه من الأنظمة الإستبدادية _ الرأس ، والرقبة ، والصدر ،

 

والجشع الرأسمالي الغربي يقضم اليدين ، والبدن ،

 

 وآلاته البشرية المحليّة ، والإستبداد الديني الملحق بطغيان السلطة ، يقضمان _ مع مزيفي المفكرين ، والإعلام الكاذب الموجّه _ يقضـم ما تبقى !!

 

وأن لا يبقـى من هذه الشعوب سوى هذا الهيكـل البائس فحسـب ، طيلة عقود ، فتصبح مئات الملايين من الأمواج البشرية في عالمـنا العربـي ، كالأجساد بلا أرواح ، كأنهـا خيالات أشبـاح !!

 

حتى صارت الحريَّة بالنسبة إليها لفظـاً يُسمـع فحسب ، وحلماً في عالم الخيال لاغيـر ،

 

وكأنَّ هذه الشعـوب في حالة مرض نفسيّ جماعـيّ مزمـن مركَّب من فقدان ، وتجاهل الذات !!

 

ثـمَّ إنهـا تتيه في هذا الضياع ، كتيهِ بني إسرائيل ، تراكمت في أثنـائه مئات الآلاف من التنظيرات بالبحوث ، والكتب ، والأوراق المقدمة للمؤتمرات .. إلخ ، وتأسست الأحزاب ، والجماعـات، والحركات ،  في محاولات لاتحُصـى للخروج من هذا التيه بلا جـدوى !

 

وليس هذا فحسب ، بل إنها كتب عليها أن تعيش عدة حالات من الحمل الكاذب المبشِّـر بالتغيير عبر ثورات الإستقلال المزعـوم ، تلك التي ألقت من أرحامها شياطين في جثمان إنس ، فحولت ما تبقى من كلِّ شيء جميل في الحياة إلى قبيح :  المعرفة إلى جهل ، والغنى إلى فقـر ، والسعة إلى ضيق ، والتعددية الباهجة إلى شمولية كئيبة !

 

 ثم إنها فجأة تنفض هذه الشعوب عنها الغبـار ، وتكسـر القيـود ، وتهـرول مسرعة نحو الحرية ، لتقيم أسُسَها ، وتُعلي بنيانها ، وترفع صروحَها ، وتمـدَّ أطنابها لتحتـوي الوطـن كلَّه ، وهي تجعل أرواحَها أساسات هذا الصرح العظيـم ، وأجسادَها أركانـه ، ودماءَها ملاطَه ، وأشلاءَها لبناتِه !

 

إنّ هذه حالة فريدة جداً في التاريخ البشـري ، تصيـب العقـل بالذهـول ، وتصـكُّهُ بالدهشـة !

 

ومن هنا.. فلا بد لنا من إشارة بالإصبع إلى خطر لايسع أحدٌ تجاهله ، يتمثل في هذا السؤال : هل يعقل أن يمـرّ هذا التحوُّل العجيب المفاجىء من غير تآمر لإجهاضه ، ومخطط لتخريبه ؟!

 

وهل من المعقول أن تتبخر كلُّ خفافيش عصـر الظلمة في لمح البصـر ، وتهرول جميع ذئابه الحاقدة على نيل الشعوب للحرية فتنزوي بعيدا في حزنها بلا حراك ؟!

 

وهل من المنطق أن نسمح بخداع النفس أن يتلاعب بعقولنا ، فنصدق أنَّ ساسة الغـرب عموما، وأمريكـا خصوصـا ، زعماء الطغيان العالمي ، أولئك الذين لازالت أيديهم ملطخة بدماء مئات الآلاف من ضحايا مشروع الإبادة البشرية : ( قرن الهيمنة الأمريكية ) ، وقبل ذلك مشروعهم ( المستدام ) بإحتضان طغاتنـا العـرب ، وإرضاعهم ، وتربيتهم ، ثـم دعمهم ، وحمايتهم ؟!

 

وقد أطلقوا _ ولازالوا _ مع هذين المشروعين أكبر عملية رشوة في التاريخ بمئات الملايين من الدولارات لوسائل مرئيّة ، ومسموعـة ، ولأقـلام المنافقين ، للقيـام بأوسع عملية تزوير في التاريخ ، ولممارسة أقذر دعارة إعلامية ، لتجميـل جرائم طغيـانهم على أمـّتنا .

 

هل من المنطـق أن نسمح لخداع النفس أن يتلاعب بعقولنا، فتصدّق بأنَّ أولئك الساسة قد تحولوا فجأة إلى ملائكة !

 

وأنهم لن يفكروا بالتآمـر من جديد على شعوبـنا ، لإعادتها إلى قمقم التبعيّة ، وقفص العبوديّة ؟!!

 

مهـلا أيها العقـلاء ، إن كنتم نسيتم تاريخهـم ، فلنذكركـم بما هو قريب ، فهؤلاء الوحوش البشريـّة ، قـد تركوا _ أمام أعيننا _ العراق وراءهم بعد تدميرها ، منهوبة تمـاما منهم ، ومن قِبَــل خونتهم ،

 

 حتى صارت مشاريع إعادة إعمار العـراق ، مضـرب المثـل ، في أنها أكبر عملية سطو في التاريخ ، لم تـدع العراق وراءها إلاَّ مليئا بالفقر ، والأمراض ، والتخلُّف ،

 

 وقـد جعلوا أفغانسـتان أكثر مناطق العالم تخمة بالأفيـون ، ومازادوها إلاّ بؤسـا ، وشقـاءَ .

 

لا .. لن نتجاهل ، أو ننسـى ، ولن تغيـب عن أذهاننا هذه الحقيقة ، ونحـن نصنع تاريخنا المعاصر الوضـاء بهذه الثورات المباركـة .

 

ولهذا يجب أن نبقـي نصب أعيننا دائما ، أنّ أهـم ثلاثـة أهـداف في المرحلة المقبـلة هـي :

 

حماية الثـورات الناجحـة من المؤامـرات عليها .

 

وإبقـاء قطار الثـورات المنطلقة في مسيرها حتى تنجـح .

 

وإشعال جذوة الثورة في بقية الرقعة العربية حتى تعلو نارها .

 

وذلك :

 

1 ـ بالتحرُّك السريع لفضح مخططات الإلتفاف على مكاسب الثورة ، قبل أن تتسـرَّب إلى الوعـي الجمعـي .

 

2 ـ  وتسليط الأضواء على خفافيش الظـلام المختفية وراء تلك المخططات الخبيثـة لتخطف تلك الأضـواء أبصارَها ، وتحـرق أجسادَها ،

 

 سواء التي تنطـلق من عمالة مغلفـة بالدين ، من مناصب الفتوى (المزيفة) ، كالتي تجعل الثورة خروجا على ( مقـام السلطان ، وإمام الزمـان ) !

 

وعمالة غيرهـم من سائر أسـراب المعروضين ( للإستئجـار ) !

 

3 ـ وإبقاء مستوى التنسيق بين الثائرين من جميع التوجُّهات على أعلى كفاءه ، وأكفـأ أداء .

 

4 ـ والحفاظ على وسائل الثورة ، وعلى رأسها التظاهر السلمي ، على أهبة الإستعداد ، وفي حالة تعبئة مستـمرة .

 

وجماع ذلك كلِّه ، يكـون بنشـر ثقافة الثورة المتمثـلة في مثلث :

 

السلطة للشعب وحقوقه دونها الدماء ، والحرية أولاً ، والكرامـة فوق كل اعتبار .

 

ويا معشـر الثائريـن : إنَّ ( ربا الفسـاد السياسي ) في عالمنا العربي ، قد تراكم عبـر عقود طويلة ، حتـى بلغ عنـان السمـاء ، 

 

وإنـَّه مادام ثمة (عسكر) تتلاعب بعقولهم أحلامُ السلطة المطلقة .

 

و(ولحى مسـتأجرة ) أو ( عمائم مستعارة ) معروضة لمن يعطي أعلى ثمن لتلبس الباطل لباس الحـقّ ، والإستبداد ثيـاب الرشاد ، والطغـاة رداء ( ولاة الأمر ) !

 

ومادام ثمة نفـاق لايحسن سوى التكسُّب بـه لذوي السلطة .

 

فإنَّ الربيـع العربـي يبقى مهدداً ، وبحاجة إلى إحاطتـه بحسن النظـر ، وسوقـه بدهاء الحذِر ،

 

حتى يولد في عالمنا العربـي جيل نظيف تمامـا من كلِّ أدواء الحقبة الماضية ( حقبة العبوديـة للأنظمـة )  .

 

جيـل يعي بأنَّ ثمة ثلاثـة فروق بين الشعوب ، والبهائـم :

 

أحدها : أنَّ الشعوب هي السلطة ، وهي تختار حاكمها ، وتعزله إذا فشـل ، والمواطن هو الأعلى رتبـة في سلّم الحكم الراشـد .

 

والثاني : أنَّ حقوق الشعوب إستحقاق شرعـي لها ، سابق لكلِّ سلطة ، وليس مكرمة من مالك القطـيع ، ولا هـي منـَّة من زعيـم !

 

والثالث : أنّ الكرامة عند الشعوب فوق كلّ إعتبار ، وأهـم من البطون !

 

وقد ذكرنا فيما مضى نصوص الشريعة العلية ، من الآيات ، والأحاديث النبوية التي تقرّر هذه الحقائق الإنسانية العظيـمة ،

 

وترسمها خطوطا عريضـة لهذه الحضارة الإسلامية المشـرقة العادلـة .

 

فإذا وُلـد فينا هذا الجيل ، جيل الثورة الطاهـر ، واستغلظ ، وأعجـب قادةَ الثورة استواؤُه على سوقه .

 

 فاعلمـوا حينئـذٍ أن لارجعـة إلى حقبة الضياع ، وسنوات التيه ، وعقـود الذلّ ، والـرقّ ،

.

 إلى أن يرث الله الأرض ،  ومن عليها ، بإذن الله تعالى.

 

والله الموفق ، وهو حسبنا ، عليه توكـّلنا ، وعليه فليتوكـّل المتوكـّلون .