الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:37 م

مقالات وآراء

والبادئ أظلم

حجم الخط

 لا يستطيع أحد إنكار أنّ الثورات وما تلاها من انتصارات قد أحدثت في نفسية الأمة الجمعية نقلة نوعية من حالة الهزال والضعف والحياد السلبي إلى حالة الهجوم والمواجهة وأخذ زمام المبادرة، وقد ارتقت استجابات الشعوب إلى مستوى الأحداث التي تعصف بالأمة دون الاكتفاء بالتحسر والبكاء والدعاء، دعاؤنا أصبح دعاء مختلطا بالقطران والعمل والتضحية، نكل أمورنا لله ولا نتهاون مع ذلك عن الصف الأول بين الثائرين والمجاهدين.

 

 وعدونا لم يتغيّر بل تزيده الأيام والأحداث غطرسة حتى وإن كان يرقب أحوالنا بعين الخوف والتوجّس

 لست مهزوما إلاّ عندما تقتنع بذلك، هذا ما يؤمن به العدو الصهيوني ولا يرى أنّ الهزيمة حالة دائمة إلاّ بقدر ما تستكين لها و تسلم بها، وقد ظهر هذا جليا في صفقة الوفاء للأحرار التي أرغمت أنف "إسرائيل" برغم المماطلة والحروب على الرضوخ لشروط حركة مقاومة فعلت بهذه الدولة وبكرامتها ما لم تفعله الجيوش العربية مجتمعة يوم قاتلت واستسلمت وسلمت، ولكن العدو لا ينسى ولا يسامح وهذا ما كتبه شمعون بيرس على ملف كل أسير محرر! وبهذا عمل الشعب حيث شكّل إسرائيلييون منظمة باسم "العين بالعين" لملاحقة الأسرى المحررين ورصدوا جوائز مادية قيمة لاغتيالهم وتعاونوا مع منظمة ألمانية لاحقت مجرمي الحرب النازية لجمع المعلومات عنهم وعن تحركاتهم! وهذا لا يستبعد منهم بل هو الأقرب إلى طبيعتهم، إلاّ أنّ المفاجأة كانت في الرد العربي الذي بدأه أحد رجال الأعمال الذي رصد مبلغا بالآلاف لمن يأسر جنديا إسرائيليا لمبادلته بالأسرى الفلسطينيين بحسب قدس برس، ثم أخذ شيوخ الدين مكانهم في قيادة هذه المبادرة وذكّرونا كيف كان شيوخ الأزهر المعممين قادة حركة التحرير من الاحتلال الإنجليزي فتقدّم الشيخ عوض القرني وخصص مبلغ 100 ألف دولار لذات الغاية، ثم جاء الأعجب والأغرب من فرد من عائلة مالكة حاكمة في وقت ظنّت الشعوب أنّها غسلت أيديها وأبرأت ذممها من حكامها، وبادر الأمير خالد بن طلال آل سعود وانتصر للشيخ عوض القرني الذي هددته المنظمات الإسرائيلية عقب مبادرته، ودعم مبادرته بمبلغ 900 ألف ليكمل المليون لذات الغاية..

 

 حقا إنّها أمة باق فيها الخير إلى يوم الدين..

 غير أنّ الذين قاموا بعملية خطف شاليط لم ينتظروا مكافأة من بشر، مكافأتهم الوحيدة كانت إحدى الحسنيين: إما نصر وإما شهادة، ومن استشهد فقد أخذ مكافأة وكرامات لا تقوم الدنيا مقامها، ومن بقي حيا فقد شهد النصر والتحرير وهو باق على عهده لم يبدل تبديلا ينتظر عمليات قادمة.

 

 لقد تحرر المارد العربي المسلم من قمقم الخوف ولم يعد يدير وجهه للكفوف والإهانات أو يبلع الهزائم بل أصبح يقابل قلع عينه بتقليع عيون أعدائه وتقطيع أنوفهم وأرجلهم من خلاف.

 

 إنّ في هذه المبادرات كذلك إشعال للحرب النفسية على الأعداء وبث للرعب في قلوبهم وإعلام لهم بأنّ وراء المجاهدين أمة تدعمهم وتحمي ظهورهم بأغنيائها وفقرائها وشيبها وشبانها وشيوخها ورجال دولتها، ومن قبل لهم رب بالمرصاد للكافرين مهما يمكرون فالله خير الماكرين وهو خير الحافظين.

 

 لقد بدؤوا والبادىء أظلم ونحن أبناء أمة تؤمن أنّ الحق والدم لا يضيعان ووراءهما مطالبون.

 بورك المال الصالح للرجال الصالحين وبورك أصوات تصدح بالأمل والقوة في أذن أمة قد استيقظت من سباتها.