فكرة اللقاح فلتة عبقرية يكافح فيها الجسم عدواً لم يطأ مملكة البدن بعد؛ فيفتك به وهو على الحدود، وكذلك الأفكار العضوية في الثورات. ويعتبر "باستور" الفرنسي أبو فكرة اللقاح ضد السعار، وكانت ملحمة من ملاحم الطب في إنقاذ الأطفال من عضات الكلاب المسعورة، وهي قصة تنفع مع السعار "البعثي" في سوريا، وهو ينقض نهشاً في المدن؛ فيهلك الرهط من الناس في عضة واحدة من الشبيحة.
واستطاع كل من "سالك" و"سابين" تطوير لقاح "البوليو" ضد شلل الأطفال، وهو مرض أعرفه جيدًا نجوت منه بالصدفة وأنا طفل، ووقع بين براثنه الرئيس الأميركي روزفلت ومعه أخي الأكبر فانشلت حياته، وكذلك قدر الثورات يمكن أن تصاب بالشلل، إذا لم تلقح ضد أمراض خطيرة يمكن أن تهلك روح الأمة.
ومن أروع ما طوَّر الطب اللقاح الثلاثي والرباعي، وهو مزيج من عدة لقاحات في ضربة واحدة؛ فينجو الطفل من ألعن الأمراض من شهيق الديكة وذباح الصدر وشلل الأطراف والحلق فيموت مختنقاً وافتراس الرئة بالسل الآكل للنسج والعظام.
ولعل أخطر ما يواجه الثورة السورية من أمراض اجتماعية ثلاثة فوجب التلقيح، وهذا المرض الثلاثي هو مزيج (العنف) و(الطائفية) و(تورط الأجنبي)، قد تنزلق إلى واحدة، وقد تتراكب الثلاث، فتهلك سوريا، ولا تصل إلى خلاص الأمة من سرطان مستفحل، يجب أن ترتفع فيه قوة الجهاز المناعي، فيتخلص من السرطان البعثي.
لقد رأينا ضربة الصدمة والدهشة من رامسفيلد في العراق؛ فهلك صدام، ولكن نبت من لحمه ألف صدام، وتحول المرض الطاغوتي "البعثي" إلى طاغوت مختلف، فركب نفس العرش ولم تتغير الصورة إلا قليلًا.
إذا تورطت الثورة في سوريا بتدخل الأجنبي، فقد انتهت؛ ويكون النظام "البعثي" قد نجا برأسه، وقد ينهض الكثير من السوريين لمحاربة الأجنبي.
علينا اتباع الأرقام دوماً بضرب الرسمي بثلاثة أضعاف كما في حسابات المهندسين في كلفة البناء قبل أن يأكل المقلب. وإذا تورطت الثورة بالطائفية، فتودع منها لأنها ستجر إلى حرب لا تبق ولا تذر، يموت فيها الأبرياء قبل الظالمين. ونفق الطائفية بغيض قذر وصفها نبي الرحمة أنها نتنة. لو تحول قسم من النظام السوري إلى هذا المرض من سعار الطائفية، فقتلوا الناس فعلينا بالصبر حتى يأذن الله بالفرج.
وإذا تورطت الثورة بتبني السلاح والقوة، فقد ارتهنت للقوة وخسرت خسراناً مبيناً على الطرفين؛ إن خسرت ذبحت من الوريد للوريد، وإنْ نجحت ارتهنت للسلاح كما في قصص الانقلابيين الذين أهلكوا الحرث والنسل بالانقلابات العسكرية.
كيف ترسم إذن أسطورة الخلاص من نفق الاستبداد إلى فضاء الحرية؟ والجواب هو الإسراع بتعاطي هذا اللقاح الثلاثي، كما في انتشار الأوبئة، فيلقح الناس في الحج ضد الحمى الشوكية التي تضرب الدماغ فيهذي المصاب ويسخن مثل مرجل.
كذلك وجب تعميم اللقاحات حتى لا يتورط الناس بطائفية، ليحترب العلوي مع السني، والعشائري مع الكردي، ثم ليقتل الكل الكل، كما في حرب لبنان التي دامت عشرين عاماً.
قصص الحروب الأهلية مروعة، ويروي لنا التاريخ فظاعات يقشعر لها البدن، وتكاليف تستهلك جهد الأجيال؛ فقد هلك في حرب الثلاثين عاماً على الأرض الألمانية ستة ملايين ونصف المليون من الشباب، في حرب طائفية من أصل عشرين مليوناً هم السكان، واحتاجت ألمانيا إلى ثمانين عاماً لترمم المصاب الجلل.
حذار من الأمراض والمراهنة على وعي الثورة أن لا تدخل هذا الوحل، وأن لا تجر إلى هذا المساق، كما فعل العقيد الليبي فصمد حتى اليوم. ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد.
