في جاهليتهم أقام العرب حروبا لأتفه الأسباب، ومن أشهرها حرب البسوس التي استمرت أربعين عاما، وراح ضحيتها الآلاف بسبب مقتل ناقة أشعلت الثارات بين قبيلتي بكر وتغلب، وفي واقعة أخرى قتل عمرو بن كلثوم عمرو بن هند ملك المناذرة لأنّ أم الأخير طلبت من أم عمرو أن تناولها إناء، فخلّد الحادثة في معلّقته التي بلغ فيها كل مبلغ من الغطرسة والكبر:
وَأَنَّا المَانِعُونَ لِمَا أَرَدْنَا وَأَنَّا النَّازِلُونَ بِحَيْثُ شِينَا
وَأَنَّا التَارِكُونَ إِذَا سَخِطْنَا وَأَنَّا الآخِذُونَ إِذَا رَضِينَا
وَنَشْرَبُ إِنْ وَرَدْنَا المَاءَ صَفْواً وَيَشْرَبُ غَيْرُنَا كَدِرَاً وَطِينَا
مَلأْنَا البَرَّ حَتَّى ضَاقَ عَنَّا وَمَاءَ البَحْرِ نَمْلَؤُهُ سَفِينَا
إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِدِينَا
وكان هذا حال العرب كما وصف جعفر بن أبي طالب: «كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، «فلما جاءهم الإسلام، دين السلام، أمرهم الله، ومن أسماءه سبحانه السلام، أن يدخلوا في السلم كافة، وجعل السلام تحية المسلمين في الدنيا، و جعل إفشاء السلام على من عرفت ولم تعرف من خير الأعمال لما في ذلك من إشعار لمتلقذي التحية بالقبول والراحة، وجعل السلام كذلك تحية أهل الجنة «تحيّتهم فيها سلام» وأسمى الجنة بدار السلام فقال سبحانه «والله يدعو إلى دار السلام»، ومن خلق المؤمن أنّ الجاهل لا يستفزّه ليقابل الإساءة بالإساءة «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما»، و كان من خير دعاء السيدة خديجة «اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيينا ربنا بالسلام وأدخلنا الجنة دار السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام»، وهذه التعاليم لم تحفظ فقط في الصدور كقيم عليا وإنّما مارسها المسلمون خلقا وطبّقوها عملا في حياتهم، فجاء في الحديث «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وهذه الأخلاق ديدن الاسلام في الحرب والسلم، في القوة والضعف، ولما انتصر المسلمون في فتح مكة نصرا مؤزرا بعد سنين أذاقهم المشركون فيها كل صنوف العذاب صرخ سعد بن عبادة في وجه أبي سفيان «اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا»، فغضب نبي السلام و نزع منه اللواء وقال قولته الخالدة «اليوم يوم المرحمة»، وزاد على ذلك تطمينا ومراعاة لنفوس القرشيين «اليوم يعزّ الله قريشا ويعظم الكعبة»، أما صلاح الدين فعفى عفو المقتدر مثل نبيه ولم يعاقب في فتح بيت المقدس الصليبيين الذين مثّلوا بالمسلمين وسبحوا في دماءهم وحوّلوا مقدساتهم إلى مزابل وحظائر، بل أمنهم على نفوسهم وأهليهم وهم خارجون من القدس، وأرسل قبل ذلك لغريمه الملك ريتشارد أطباءه ليعالجوه في مرضه.
هذه بعض تجليات السلام في الإسلام في تاريخ المسلمين الذي أصبح تاريخ عنف وتقتيل عندما زُوّر بيد شرذمة من المؤرخين المستشرقين وبيد أبناء جلدتنا من أتباعهم حتى أصبح الإِسلام والإرهاب صنوان ووجهان لعملة واحدة، ونُسي تاريخ الغرب الذي يحفل بالممالك والعوائل المتناحرة والفظائع اللإنسانية التي ما زلنا نرى بعض مظاهرها في بلادنا مع كل غزو يأتي متلبسا بثوب التحرير!!! هذا التاريخ نُسي وأصبح السلام وثقافته صنيعة الغرب وحرفة الدول والمؤسسات الغربية التي توزّع صكوك السلام على من تشاء وتحرم منها من تشاء!
وليس هذا الانعكاس التاريخي من النقيض إلى النقيض بمنفصل عن تاريخ نوبل وجائزته، فهو شريك أساسي في ما أصاب ويصيب العالم من دمار، ولما وخزه ضميره وهب بعض ماله الذي جمعه من اختراع مادة للقتل ليساهم في تخفيف عذابات الإنسانية بعد أن أشقاها وما زال!!
وجائزة نوبل متّهمة بالتحيز الغربي وبعدم اعتماد معايير دقيقة في الاختيار ومثال ذلك إعطاء الجائزة لهنري كيسنجر التي رفضها فيما بعد عن دوره في مفاوضات وقف إطلاق النار بين أمريكا وفيتنام في الوقت الذي ما زالت بلاده عندها منغمسة في الأعمال الحربية، وعلى إثرها نعته النقاد بأنّه رسول حرب لا رسول سلام! وكذلك الأمر بالنسبة للرئيس أوباما الذي ما كاد يجلس على كرسي الحكم في أمريكا حتى اختير لتسلّم الجائزة وهو بالكاد وقّع مرسوما أو أصدر قانونا، وقال النقاد أنّه أعطي الجائزة بناء على حسن النوايا!!!
أما العرب فلم يحصل منهم الجائزة سوى خمسة أشخاص وافقوا معايير نوبل، ففي مجال السلام حصل أنور السادات الجائزة مكافأة له على توقيع كامب ديفيد مناصفة مع الرئيس الإسرائيلي مناحيم بيغين، وكذلك الأمر بالنسبة لياسر عرفات الذي أخذها مكافأة بعد توقيع أوسلو بالاشتراك مع صاحب سياسة تكسير عظام الفلسطينيين اسحق رابين وشمعون بيريز، أما محمد البرادعي الرئيس السابق للهيئة الدولية للطاقة الذرية فحصلها مكافأة له على الجهود التي لعبتها الهيئة التي رأسها في إتهام العراق بامتلاك أسلحة الدمار الشامل وتسهيل قبول الحرب على العراق عالميا، أما الدكتور أحمد زويل، المواطن الأمريكي، فلا اعتراض عليه سوى أنّ معظم خيره و انجازه وأبحاثه تصبّ في مصلحة أمريكا! و حصل نجيب محفوظ جائزة نوبل في الآداب بعد كتابة روايته أولاد حارتنا التي منعت من النشر بسبب اعتراض الأزهر عليها لتطاولها على الذات الإلهية!
وهذه الشخصيات لا تنحاز عن مسطرة نوبل إلاّ أنّ الاختيار الجديد للناشطة اليمنية توكل كرمان، وهي معروفة بأفكارها وخلفيتها الدينية، يطرح علامات استفهام كثيرة لا يمكن التعامل معها ببراءة جوقة المصفقين والمحتفلين بالإنجاز! فهذه امرأة من اليمن، البلد الذي يدينه الغرب بهتانا بإيواء وتفريخ خلايا القاعدة التي يمثل اسمها كل صور البشاعة والرعب للغرب، بل إنّ الغرب رفض تأييد الثورة اليمنية ويستخدم فزّاعة امكانية استيلاء القاعدة على مقاليد الحكم بعد الثورة ليبرر موقفه! إذن أليس من الغريب أن ينتقي اليمن ومواطنتها كدولة ممثلة للسلام العالمي، وهو الذي ألبسها ثوب الإرهاب؟!
وعلى فضل كرمان فقد سبقتها العديدات في ثورة مصر بالذات وقدّمن نفس الأداء والتضحية، فهل من رسالة ما بين السطور في اختيار امرأة يمنية من دولة محافظة ينظر الغرب لوضع المرأة فيها بعين الريبة والرفض؟!
هل هناك خطة لاختراق الثورات العربية واستمالتها وهي التي فرضت نفسها على المشهد العالمي بوعيها وسلميتها وروحها الشبابية وأجبرت العالم على الاعتراف بها وتقديرها؟!
نبالغ نحن العرب في أفراحنا وأحزاننا ونتطلع بإكبار إلى اعتراف الآخر بنا وكأننا متسولون على مادة العالمية ننتظر فتات الاعتراف ولا نصمد في الساحة بوجودنا المميز وبروحنا العربية، ماذا ستضيف نوبل لتوكل كرمان التي أثبتت وفرضت نفسها كممثلة وناطقة باسم الثورة اليمنية بقوة الحجة في الحق وبالاستعداد للتضحية أمام العالم أجمع؟!
من بلاد اليمن خرجت توكل كرمان وأعطت درسا للعالم عن دينها، دين السلام الذي بشّر به نبيها قبل أن تعرفه أوروبا، ودرسا عن بلدها الموصوف بالحكمة اليمانية، لن تزيد لها نوبل، وكلنا أمل أن لا تنقصها فبعض السفارات تغتال في السفراء ما أحبه الناس فيهم.
قال قتادة يمتدح بلقيس ملكة سبأ «ما كان أعقلها في إسلامها وقبله»، هكذا نرى توكل كرمان صاحبة عقيدة وفطنة قبل الجائزة وبعدها وهكذا ندعو أن تظلّ.


