يبدو أن الانفتاح الديمقراطي و الإعلامي قد أخل بالتوازن العربي،فبعد عقود من تدجين الإعلام الرسمي و الحكومي السلطوي انفتحت السموات و الأرض و ما بينهما على الجمهور و السلطة على حد سواء، أما السلطة الإعلامية فسارعت لتلوين جلدها و تزويق أساليبها علها تسترجع مشاهدا فر منها، أما المشاهد العربي فحلق في الفضاء من أوسع أبوابه دون استعداد للطيران في فضاء التعددية و الرأي الآخر و الشفافية و المهنية و المصداقيه، و دون مناعة تنجيه من فوضوية التشكيك و الدس و خلط الأوراق
و بعد أن كنا في أسفل السلم لا يرانا من يقف في منتصفه، و لا يسمع بنا من يقف أعلاه أصبحت مصائبنا و انتصاراتنا تتصدر المشهد العالمي، و أصبحت صورتنا تُلتقط بعيون عربية،و أصبح كلامنا يُكتب بأيد عربية
عقود عشناها كشعوب عربية في غياهب النسيان لا يدري بنا العالم الا إذا أراد اقتسامنا على الخريطة الاستعماريه، و حتى عهد قريب من الثمانينات كان بعض الأمريكان يعتقدون أن للعرب ذيولا، و أن وسيلة تنقلهم ما زالت الجمال و الدواب، و لا يعرفون سوى أن العرب هم أعداء أمريكا، و في استطلاع أجراه معهد "غالوب" تبين أن 70% من المواطنين الأمريكيين لا يتابعون نشرات الأخبار و 52% يتابعون أخبار بقية العالم عدا عن أخبار أمريكا و أن نسبة متابعة الأخبار بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وغزو العراق ازدادت بنسبة 55% بسبب استهداف أمريكا في الحادث الأول و قيادة أمريكا لتحالف الغزو في الثاني، باختصار يعرفون أن جيوشهم تأتينا و لا يعرفون شيئا عما تفعله فينا!
وُلدنا إعلاميا مع الانبعاث الفضائي و في المجال الإخباري كانت الجزيرة من أول أمهاتنا، ففيها أصبحنا نسمع بشيء يعرف بالرأي و الرأي الآخر، و أن هناك فضائح لأنظمتنا الرسمية تكفي لسد عين الشمس، و لو كانت الجزيرة نشرت و تتبعت ما قاله ضيوفها و ما كشفوه في برنامج الاتجاه المعاكس لوحده ،ما بين الصراخ و السباب، لسبقت ويكليكس بأعوام و زادت عليها! على الجزيرة رأينا أشخاصا غير المطبلين و جوقات الأنظمة، رأينا المبعدين و المطرودين و المحكومين،رأيناهم بشرا مثلنا و ليسوا شياطينا كما كانت تصورهم الروايات الرسمية!
مع الجزيرة أوجعنا الأمريكان و نافسناهم في لعبتهم غير مرة، و تكفي شهادة رمسفيلد أثناء الحرب على العراق ضد الجزيرة، و الفضل ما شهدت به الأعداء، حيث أبانت الجزيرة لعالمهم و عالمنا أن دولة الحرية واغلة في دماءنا و أعراضنا
مع الجزيرة أصبح الخبر العربي كامل الدسم بلون و طعم و رائحة، لون يشبه دماء الشعوب العربية التي سالت في ربيعها، و بطعم العزة التي أنطقت المرأة المصرية بعد ذل فصدحت بحلاوة الحرية" ما فيش خوف تاني، ما فيش ظلم تاني" و رائحة الياسمين الدمشقي الذي سيفوح نصرا و لو بعد حين.
و لكن الجزيرة ليست مصدرا إخباريا منزلا فلكم لوثت أسماعنا "بإسرائيل" و شياطينها من محامي إبليس ليتشدقوا على شاشاتها بكذبهم، و لكم كان تبريرها واهيا في التزام الموضوعية و المعايير الدولية التي تعترف "بإسرائيل" على خرائطها.
نعم ليست الجزيرة مصدرا منزلا و لكنها أعادت لنا شيئا من اللُحمة العربية التي ما وجدناها في حضن الجامعة العربية و وحدت الأمة وراء غزة أثناء العدوان عليها، و وراء تونس في نضالها نحو التحرر، و وراء مصر و هي تسقط فرعونها الأظلم، و وراء ليبيا و هي تخرج من سلطة الجرذ الأكبر، و وراء سوريا و هي تعيد اكتشاف باب الحارة الذي أُغلق على أهل المروءة و العزة و الكرامة.
و كما أن السفينة لا تمخر عباب البحر بغير قبطان كذلك الجزيرة لم ترتقي و تحقق كل هذه النجاحات، التي جعلتها في صف الأوائل حتى أصبحت علامة تجارية يحسب لها حساب،بغير مديرها وضاح خنفر الذي أصبح بنفسه و بمنصبه من أكثر الشخصيات المؤثرة في العالم العربي بحسب الاستطلاعات، و كان له دور كبير فيما حققته الجزيرة، كمؤسسة، بشخصيته الكاريزمية و ثقافته و لغته و خبرته التي جعلته يملأ موقعه على مدى ثمانية سنين، ناهيك عن دور طواقم الجزيرة المؤهلة و امكانياتها اللامحدودة.
و المنصب يوجد الأصدقاء و الأعداء، و المهم فيمن تختاره أن يكون صديقك، و الواضح أن الجزيرة بإدارة خنفر فهمت الدرس جيدا فقررت الانحياز للباقي و هو الشعب، و تركت صداقة الزائل الفاني و هو الحاكم، فكان لا بد لمن يعملون بليل و يدبرون في الخفاء أن يضربوا الرأس طمعا في أن يهن الجسد، فمارسوا دورهم في اغتيال الشخصيات character assassination، و هذا اختبار لا ينجو منه معظم الموجودين في مواقع المسؤولية، الصالح منهم و الطالح، فالصالح له أعداؤه لصلاحه، و الطالح سيمكر به من يريدون الخلاص منه و الجلوس مكانه.
و قد يقول قائل أن التهم مصدرها موثوق لا ينطق بالكذب، و قد صدقناه و تبعناه و فرحنا به في غير أخبار خنفر فلماذا يختلف الوضع مع خنفر أم أنه الانحياز الأعمى للشخص و الشخصية؟
و الجواب انه من الحمق أن نعتقد أن خنفر و كل من سيكون في مكانه لن يكون له اتصالات مع كل الدول كلها بما فيها أمريكا بطبيعة منصبه على رأس قناة غيرت وجه العالم العربي، و لن نبالغ ان قلنا و أثرت في وجه بعض الشمطاوات الغربيات، و من الطبيعي أن تسارع أمريكا لمثل هذه الاتصال و تبدأ به و تبادر اليه لتحاول توجيه القناة و سياساتها كما تحاول السيطرة على الدولة الموجودة فيها بقواعدها العسكرية.
من الحمق أن لا ندرك أنهم يحاولون التسلل-و ربما نجحوا-الى الجزيرة عن طريق مديرها و غيره، و ما شهادة مصور الجزيرة المحرر سامي الحاج عن محاولة أمريكا تجنيده و استمرارهم بحبسه كعقاب له لرفضه الا دليل على هذه المحاولات
و لكن مربط الفرس ليس في اللقاءات من عدمها، و ليس في المحاولات الأمريكية من عدمها، مربط الفرس هل استجاب خنفر و استجابت الجزيرة لذلك و ماذا كان انعكاس ذلك على السياسة التحريرية و التغطية الإخبارية؟
لنعيد النظر في كل الأحداث التي سبق ذكرها و نحكم بأنفسنا و لا نكون كالبغبغاء نردد اتهامات ممجوجة و مسمومة لن يأمن منها أحد صاحب مبدأ و قضية.
لا بد أن كثيرين احتفلوا اليوم باستقالة خنفر فهو بالنسبة لهم أكثر من شخص، هو نهج فضح خباياهم و كشف سوءاتهم، فضح الذين باعوا و يبيعون آخر ما تبقى لنا في القدس و لا يخجلون أن يسوقوا علينا استحقاق أيلول و كأنه فتح بيت المقدس الثالث! فضح حكام الزنقات و جرذان الفاسدين الذين حولوا أوطاننا الى جحور، كل هؤلاء فرحوا لاستقالة خنفر علها تحمل في طياتها تغييرا في الجزيرة فيعودوا الى مواقعهم سالمين و كأنك أيها االشعب العربي ما غزيت!
نعم الجزيرة مؤسسة، و لكن رأس أي مؤسسة ناجحة هو مسؤول ناجح... هذا ما تقوله أبسط أبجديات علم الإدارة!
ليس على خنفر بأس فقد دخل الجزيرة و هو أهل لها، و خرج منها و هو أهل للأفضل. الخوف على الجزيرة أن تغير نهجها الذي التفت لأجله الشعوب حولها، فأدخلتها في الدار و العقل و القلب و جعلتها دون غيرها أهلا للثقة، و الضحك على الشعوب لم يعد سهلا فققد بلغت مرحلة النضوج الإعلامي و أصبحت تفرق بين من يقف معها أو يقف ضدها في خندقين لا ثالث لهما، و لو أحسنت الجزيرة قراءة المشهد العربي لما تزحزحت عن طريقها قيد أنملة الا بمزيد خطوات الى الإمام لتمثيل الشعوب العربية.
لا نأمل أن نبلغ مرحلة الفطام مع الجزيرة، غير أن عهدنا مرتبط بالقادم مما ستقدمه، و هو موصول إذا حافظت، و مقطوع إذا غيرت.
و تاريخ الأمس و السمعة و الريادة قد يذهبها عمل الغد، و بين ما كان و بين ما سيكون ليس أكثر من ضغطة على الريموت كنترول تحول القناة و معها العقول و القلوب ربما الى غير رجعة، فاستعادة الثقة بعد فقدانها كإدخال الجمل في سم الِخياط، والشعب الآن يمسك بزمام التغطية و يمكن له أن يملي إرادته بالاقبال والثقة أو الاستبعاد، والجمهور"عاوز" إعلاما صادقا يمثل قضاياه و طموحاته.
