الخميس 15 يناير 2026 الساعة 06:50 ص

مقالات وآراء

في رحلة البحث عن قيس وليلى

حجم الخط

تشكل الرموز أيا كان ميدانها إشكالية فيمن يتطلعون إليها، و يحاولون الاقتداء بها، فهي في إيجابيتها أو سلبيتها تنزع الى التطرف أحيانا: كمال أو مثالية في الإيجاب، أو إمعان في السلبية و الخطأ، و هذه التجاذبات المتطرفة، على مبدأ أن تكون أو لا تكون، تجعل من الصعوبة بمكان على البشر الاقتداء بها في نسق لا يحتمل الخلل أو الانزياح، ذلك أن طبيعة الانسان خطّأء بطبعه، شديد التقلب و الفتور حتى في نوازع الإيمان و هي أكمل المشاعر، فكيف بغيرها؟؟
و من هذه الرموز رموز الحب الذين عرفناهم كعرب شعراء طوفوا بنا في حدائق القلب و خلجات النفس و حركات الجوارح، و جعلوها كلها دلائل على المحبة فقال الشاعر:

لي في محبتكم شهود أربع و شهود كل قضية اثنان
خفقان قلبي و اضطراب جوارحي و نحول جسمي و انعقاد لساني
و قد نظم هؤلاء الشعراء بقلب و خيال المبدع اكثر من واقع الانسان، فلم يكتمل الحب لأي من أساطير الحب العذري بل كان سببا في هلاك بعضهم

و قد شكلت هذه الخلفية الثقافية جزءا من تصورنا كعرب لطبيعة الحب،و كيف يتصرف المحبون و كيف يعيشون، و ماذا يدل على المحب، و كُتب و ما زال يُكتب في الحب الكثير الكثير، و لو أدخلنا كلمة الحب أو أحد مرادفاتها في محرك البحث لخرجنا بنتائج مليونية، و كل له نظرية و إناء يدلي به في هذا المحيط الرحب اللامنتهي، و أصبح الحب ظاهرة غير مجردة بل تحكمها قوانين العصر من أحوال مادية و اجتماعية، و أصبح كل يعرّف و يُمارس الحب على هواه، و كل يغني على ليلاه، و تعددت المدارس و الممارسات، فأصبح قيس أقياسا، و صارت ليلى ليلاوات
و قد حاولت مما أعرف من التجارب و القصص أن أبحث عن صفات ليلى و قيس، و عن شكل للحب الحقيقي الصادق، فكان بحثا زادني حيرة و بصيرة بتقلب و زئبقية الحب و تشكله باشكال مختلفة فكانت هذه المحطات:

المحطة الأولى: حب منذ الميلاد

بشنبات يقف عليها الصقر أصدر الأخ الأكبر حسن عثمان من قرية بيت صفافا قضاء القدس تهديدا أن الذي سيقترب من بنات أخيه عيسى فليحمل كفنه معه، و أن ضفائر بنات أخيه لن تُحلّ لرجال غير أبناءه، و لم يكن أبو البنات عيسى ليرفض أمر أخيه الأكبر احتراما و هيبة له، و تأمينا لمستقبل بناته، و هكذا نشأ مصطفى و مريم، داود و فاطمة على هذا الاتفاق (أو الاجبار) الأبوي منذ نعومة أظفار أولادهم. ماذا حرك العم نحو بنات أخيه؟ هل كان الحب و صلة الرحم؟ هل كانت ثقافة زيتنا في دقيقنا و القريب أولى من الغريب؟ هل هي نوازع السيطرة و الاستحواذ؟ هل كان زواج الأقارب عندهم أحفظ للقربى و العرض و آمن للمستقبل؟

الخلاصة أن جدي داود لم يعرف من صور الحب و آهاته و تجاربه سوى جدتي فاطمة و كذلك الأمر بالنسبة لها، كانت بالنسبة له كشيء من الفطرة و الطبيعة، لعب معها ألعاب الأطفال و هما صغار، و زرع و رعى و حصد معها، و لما شب كان يراها يوميا كما يرى أخواته فالباب قرب الباب، و لما حان الآوان ذهب ليشتغل في المدن المجاورة ليجمع مهرها و كان قرطا على شكل وردة فل، و مائتي دينار فلسطيني، و في احدى رحلاته حاول جدي أن يمارس دور الخطيب المحب فاشترى لها علبة حلوى صناعة انجليزية، و أعطاها لها عن طريق عمه، فخجلت جدتي أمام أهلها و أعطتها لاخوتها الصغار، حاول جدي أن يحادثها ذات مرة فنهرته فلحقها فضربته بزجاجة، و كانت نتيجة حادث المحبة هذا سبعة غرز في قدم جدي، و لكن أثر التمنع و الحياء و العفة في ذلك الزمان كان أقوى من النار في الهاب المشاعر، لم يكن بين جدي و جدتي رسائل مكتوبة، فجدي كان مسموح له أن يتعلم حتى أنهى المترك، بينما جدتي كسرت أمها لوحها حتى لا تتعلم و تكتب الرسائل للشباب على حد قولها، هكذا كانت الصورة عندهم أن المرأة قد تنحرف لو تعلمت، و لكن الرجال محصنين من ذلك و لا يشكلون مصدرا للعار مهما فعلوا، تزوج جدي و جدتي و جاءت أمي و أخوالي ثمانية كخرز العقد يتلو بعضهم بعضا، هذا غير من ماتوا من السقط، و في الثانية و الثلاثين كانت جدتي قد أنهت مهمتها الانجابية. كان جدي في الواحد و العشرين من عمره عندما جاءه أول ولدين و كان يعيل أسرة ممتده، رجل بطول و عرض و عائلة في سن يعتبر الآن نهاية مرحلة المراهقة و فترة سماح من تحمل المسؤوليات
و يبقى السؤال: هل عرفوا الحب في زمانهم، أو ماذا كانت طبيعة الحب في زمانهم و كثير منهم لم يملك حرية اختيار من سيحب؟ بالتأكيد هو لم يكن حب قيس و ليلى، و لكنه كان مودة و عشرة و حياة مشتركة، و رعاية و أولاد.

لم يكن لدى جدتي فرصة لتعيش حياة الدلال و الغنج، فما هي الا أعوام قليلة حتى كانت تركض وراء جدي في رحلة الهروب الكبير بعد نكبة فلسطين، لا تدري هل تحمل أولادها أم جهاز عرسها الذي لم تلبسه بعد، أم شيئا من قوت أسرتها الصغيرة!! في العقد الثاني من عمرها و في رقبتها صغيرين كانت بعيدة كل البعد عن صورة ليلى و هي تجري بولديها في محاولة مستميته للحفاظ على حياتهم جميعا، الرصاص الذي لم يُطلق في عرسها فرحا و ابتهاجا سقط على رأسها مثل زخات المطر و هي تحاول تفاديه في حضن مغارة أو وراء جبل، "تقبرني ابن عمي" كادت أن تأخذ شكلا ثانيا لولا لطف الله و هي تتبع بجدي ابن عمها، شكلا لا علاقة له بالغزل و الغنج الشامي

كبرت بينهما لأعرف أن الحب أشكال متعددة، قيس و ليلى صورته الخيالية، فربما لو ظفر قيس بليلى لما بقي حبهما متوهجا و متقدا كما خلده الشعر، لو طُرد قيس من بلده و شُرد لربما نضج قلبه و عقله و شعره عن ذاتية أنا و ليلى و من وراءنا الطوفان، لو تزوجا لربما كان زواجهما مقبرة الحب العذري و حياة الحب الأسري الواقعي الذي يتوسع عنهما لاولاد و عائلة ممتدة و مجتمع