تحلُّ اليوم الذِّكرى العاشرة لهجمات سبتمبر التي هزَّت العالم أجمع، والتي لا زال هناك- بعد عشر سنوات على وقوعها- مَن يُمارِي في نِسْبَتِها إلى تنظيم القاعدة، رغم شهودها الأحياء (في سجون الولايات المتحدة) مِمَّن شاركوا في تخطيطها، ورغم أسماء المنفِّذين وعناوينهم وصورهم وسائر المعلومات الموثَّقة حول تفاصيل العملية منذ أن كانت مجرَّد فكرة أقرب إلى الحلم، حتى تنفيذها صبيحة الحادي عشر سبتمبر عام 2001م.
أتذكر الآن- بعد عشر سنوات على الهجمات- كيف اسْتَنَد البعض في رفض نسبتها لتنظيم القاعدة التي أكَّدنا مسؤوليته عنها منذ اليوم الأول تبعًا لعددٍ من المعطيات الواضحة، كيف استندوا إلى دِقّة الهجمات وحسن تخطيطها، ومنهم محمد حسنين هيكل الذي نقل عن "مصادر في بروكسل" نسبتها إلى منظمات صربية!! لكأنَّ المسلمين لا يُحْسِنون غير الفشل، مع أنَّ الفشل والنجاح هنا لا يتعلَّق بشرعية العملية من الناحية السياسية والأخلاقية، لاسيما أنَّ أكثرية علماء المسلمين قد رفضوها تبعًا لاستهدافها مدنيين غير محاربين من خلال طائرات مدنية فيها رُكّاب أبرياء من شتَّى الجنسيات ومن بينهم مسلمون.
لنَدَعْ ذلك كله ونتحدث عن التداعيات التي خلَّفتها الهجمات بعد عشر سنوات على وقوعها، ليس على تنظيم القاعدة، وإنَّما على الولايات المتحدة التي قادَتْ حروبًا من أجل الثأر لكرامتها المستباحة.
اليوم بعدَ عشر سنوات على الهجمات يُمْكِنُنا القول بكل بساطة: إنَّ الولايات المتحدة هي الخاسر الأكبر، وللمفارقة فقد كان هذا رأينا منذ البداية؛ حيث تَبنّينا وجهة نظر تقول: إنَّ الثأر المجنون الذي سيقوده جورج بوش سيؤدِّي إلى خسائر هائلة للولايات المتحدة على مختلف الأصعدة.
حوالي 4 تريليون دولار خسائر أمريكا المباشرة وغير المباشرة جراء حروبها الثأرية على خلفية هجمات سبتمبر، ناهيك عن أكثر من خمسة آلاف قتيل من العسكريين (عدد المدنيين غير معلوم)، وعشرات الآلاف (قد يكون الرقم أكبر) من الجرحى أكثرهم من المعوّقين الذي تكلف رعايتهم عشرات المليارات.
منذ هجمات سبتمبر وأمريكا تخوض حروبًا عبثية، من أفغانستان إلى العراق، الأمر الذي استنزفها على مختلف الأصعدة، ناهيك عن كُلْفة الإجراءات الأمنية الرهيبة التي اتخذت من أجل الحيلولة دون تكرار الهجمات أو ما يُشْبِهُها.
كانَ بوسع أمريكا أن تستثمر الهجمات في كسب التعاطُف الدولي كما وقع في الأيام الأولى، لكن إصرار بوش على حروبه العبثية هو الذي أفْضَى إلى تلك الخسائر الرهيبة. ونعلم أنَّ بوش لم يذهب إلى العراق انتقامًا لهجمات سبتمبر، وإنَّما تنفيذًا لأجندة صهيونية إمبريالية (تكريس القرن الإمبراطوري الأمريكي الجديد). وقد قال جورج تينيت مدير السي آي إيه السابق: إنَّ بوش دخل البيت الأبيض وفي جيبه قرار الحرب على العراق، وما لم يقله: إنَّ الرجل كان يطارد أساطير توراتية تعلمها على أيدي قساوسة الكنائس المعمدانية الجنوبية المتعصبة، والتي باتَتْ رصيدًا لليمين الصهيوني في الولايات المتحدة.
بعد عشر سنوات على هجمات أيلول لا مجال لمقارنة خسائر القاعدة بخسائر أمريكا؛ لأنَّ القاعدة مجرد تنظيم صغير، وغياب مثل هذا التنظيم أو نهايته، مع أنَّه لم ينتهِ عمليًّا لا تعني الكثير، في حين كان العالم قبل تلك الهجمات خاضعًا لسطوة أكبر وأقوَى إمبراطورية في التاريخ البشري، وإذ به بعد عشر سنوات أمام قوة من نوع آخر لم تَعُد تَمْلِك ذات السطوة ولا ذات النفوذ، فيما تتخبط في أزمة مالية مستعصية. وللتذكير فقد كانت أُمّتنا من أكثر المتضررين من التفرُّد الأمريكي بالشأن الدولي، لاسيما خلال حقبة جورج بوش بأجندته الصهيونية المعروفة.
مرة أخرَى نؤكّد أنَّ ذلك لا يدلّ على صواب الهجمات من الناحية الشرعية والأخلاقية، مع أنّ لمنفذيها مبرراتهم الخاصة، وقد كان بإمكان أمريكا استثمارها على نحوٍ مختلفٍ يكرِّس قوتها ونفوذها ويزيد في خسائر المسلمين من جَرَّائها.
لا يعنِي ذلك أنَّ المسلمين لم يخسروا بسببها، لكن المؤكَّد أن احتلال العراق كان سيقع في كل الأحوال (لم يستند قرار الحرب إلى أيِّ مبرر أخلاقي أو قانوني ورفضته غالبية دول العالم)، بينما كانت الخسارة في أفغانستان، فضلاً عن مسألة الإرهاب التي سادت العالم وأدَّت إلى خسائر لا بأس بها للمسلمين.
في أيِّ حالٍ، فقد كانت أمريكا هي الخاسر الأكبر، وفي هذا خير للمسلمين ولكل المستضعفين دونَ شكٍّ (التعددية القطبية هي الخيار الأفضل لكل العالم)، وقد رحل أسامة بن لادن قبل أن يشهد الذكرى العاشرة، ولو بَقِي حيًّا لأصدر تسجيلاً يعدِّد فيه مزايا "غزوة مانهاتن" والإنجازات التي تحققت بسببها بعد عقد على وقوعها كما فعل ذلك في ذات المناسبة غير مرة خلال السنوات الماضية.


