قرأت بإمعان ما كتبه أستاذنا الجليل سليمان محمد الستاوي تعقيبا على ما كتبت في جريدة الشرق مقالة بعنوان " احذروا تكرار سقيفة بني ساعدة " مخاطبا إخواننا في اليمن وليبيا وسوريا ، والأستاذ الستاوي من الأساتذه الذين أحترمهم وأجلهم وأقدر آراءهم مع اختلافي معه في بعض تلك الآراء .
الأستاذ الجليل الستاوي قرأ في مقالتي ظاهر النص ولم يمعن النظر في جوهره وجاء رده على ما كتبت مشحونا بالتحريض على الكاتب كقولة عن لساني " اتهم المسفر اجتماع سقيفة بني ساعدة ، اتهم ماضي الأمة ،اتهم الصحابة ، واتهم آراءهم . " لكنه لم يبين أوجه اتهاماتي لذلك السلف الصالح ، وراح الأستاذ الستاوي غفر الله له " يتهمني بالطعن في كفاية وتجرد أبو بكر الصديق ، وعمر ، وأمثالهما " لكنه لم يبن بالنص طعوني في صحابة رسول الله عليهم أفضل الصلوات والسلام ، وحاشا لله أن أطعن في صحابة رسول الله وخلفائه الراشدين وأنا ابن دار التوحيد ، وتربية دار الهجرة . يقول أستاذنا الكبير الستاوي " المسفر جانبه التوفيق كثيرا وبكل أسف هو ( أي المسفر ) صاحب الأفكار والقناعات الخاصة بشأن من تحركهم تحيزاتهم وأهواؤهم إلى اليمين أو اليسار أو إليهما معا ( … ) لاحظ ظاهرة التهديد والفوقية كما قال .
حقا إنها ليست المرة الأولى التي يتصدى الأستاذ الستاوي لكتاباتي فقد سبق أن خاض فيما كتبت عن بعض التيارات الإسلامية التي لم تقدم لنا رؤية في مفهوم الدولة والثروة والسلطة والسيادة ، فكأني حكيت له على جرح ملوث لم يستطع الدفاع عن تلك التيارات بمنطق العلم والمعرفة وإنما راح يتناول الموضوع من جانب ثأري قد يكون حدث له في مصر إبان العهد الناصري وصراع ذلك العهد مع الإخوان المسلمين. أعترف بأنني متحيز لقناعاتي وأفكاري التي أومن بها ولم أتغير في مواقفي رغم كل ما أحاط بي .
يدعونا الستاوي إلى أن نحسن قراءة التاريخ الإسلامي والكاتب يؤيد بل يدعو إلى إعادة قراءة التاريخ العربي الإسلامي بعقلية علمية موضوعية ومن هذا المنطلق أستطيع القول أن شيخنا الستاوي لم يمعن النظر في قراءة التاريخ العربي الإسلامي بل إنه يجتر ما علق في ذاكرته من دروس التاريخ في صباه وتعالوا معي نفلي أمهات كتب التاريخ الإسلامي ونخص في هذا الشأن سقيفة بني ساعدة .
( 2 )
ورد في كتاب تاريخ اليعقوبي " اجتمعت الأنصار في السقيفة يوم توفي رسول الله عليه السلام ، وأرادوا مبايعة سعد بن عبادة الخزرجي ، وبلغ أبا بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح والمهاجرين ، فأتوا مسرعين ، فنحوا الناس عن سعد فقالوا : يا معشر الأنصار ! منا رسول الله ، فنحن أحق بمقامه .قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير ! فقال أبو بكر : منا الأمراء وأنتم الوزراء . وأكد أبو بكر مرة أخرى تعقيبا على خطاب ثابت بن قيس وهو خطيب الأنصار وقال قريش أولى بمحمد منكم ، فهذا عمر بن الخطاب وهذا أبو عبيدة بن الجراح فبايعوا أحدهم بالخلافة ، فقام أبو عبيدة وبايع أبو بكر فبايعه من كان معهم في ذلك المجلس .
أما البراء بن عازب ، فيذكر اليعقوبي أن البراء ضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم ، بويع أبو بكر ، فقال بعضهم : ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ، ونحن أولى بمحمد : فقال العباس : فعلوها ، ورب الكعبة .ويذكر تاريخ اليعقوبي أن عليا لم يبايع أبا بكر في الحال وانضم إليه العديد من الصحابة منهم العباس بن عبد المطلب ، والزبير بن العوام ، وسلمان الفارسي ، وعمار بن ياسر ، وأبو ذر الغفاري وآخرون . تأزم الأمر فأرسل أبو بكر إلى عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة ، فقال لهم : ما الرأي ؟ فقالوا الرأي أن تلتقي العباس بن عبد المطلب ، وتجعل له في هذا الأمر نصيبا يكون له ولعقبه من بعده .لا أريد أن أروي للقارئ الكريم في هذا المقام الحوار الشديد الذي دار بين أبي بكر والعباس بن عبد المطلب لكن جدير بالذكر أن العباس في ختام حديثه لأبي بكر وعمر قال : " فأما ماقلت أنك تجعله لي ، فإن كان حقا للمؤمنين ، فليس لك أن تحكم فيه ، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض ، وعلى رسلك ، فإن رسول الله من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها ( تاريخ اليعقوبي ، ج2 ، ص ص123 ــ 126 ) وأترك للقارئ الاستنتاج من حوار العباس مع أبي بكر رضي الله عنهما .
( 3 )
وهذا تاريخ الطبري يروي لنا تاريخ الرسل والملوك ، وأقف مع الستاوي فيما ذكره الطبري عن سقيفة بني ساعدة وأقتبس فقرة واحدة " دخل أبو بكر رضي الله عنه على علي بن أبي طالب ، وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام علي وحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإنه لم يمنعنا من أن نبايعك يا أبا بكر إنكار لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا ، ، فاستبددتم به علينا . ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقهم . فلم يزل علي يقول ذلك حتى بكى أبو بكر رضي الله عنه." تبادل أبو بكر وعلي الكلمات وراح كل منهما يثني على الآخر ، وأخيرا سار علي إلى بيعة أبي بكر بعد فراق ، ومعه رهط من بني هاشم . ( الطبري ، ج 2 ، ص 208 ) .
( 4 )
أما رواية المؤرخ الجليل ابن الأثير فيروي لنا في شأن السقيفة " إن الأنصار أو بعضهم قالوا : لا نبايع إلا عليا . قال : وتخلف علي ، وبنوا هاشم ، والزبير ،وطلحة عن البيعة . قال الزبير : لا أغمد سيفا حتى يبايع علي ." ويروي ابن الأثير أنه لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر أقبل أبو سفيان وهو يقول : " إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم ! يا آل عبد مناف فيم أبو بكر من أموركم ؟ أين المستضعفان ؟ أين الأذلان علي والعباس ؟ ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ؟ ثم قال لعلي : أبسط يدك أبايعك ، فوالله لئن شئت لاملانها عليه خيلا ورجالا . فأبى علي ، عليه السلام ، لكنه بقي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، رضي الله عنها ،فبايعوه " ( الكامل في التاريخ لابن الأثير ، ج 2 ، ص 187 ــ 192 ) .
ارد أستاذنا الستاوي إلى مراجع أخرى منها: الطبقات الكبرى ، ج 2 ،أنساب الأشراف ج 1 ، مروج الذهب ج 2 ، سيرة ابن كثير ج 4 ، البداية والنهاية ج 5 . بعد هذا السرد التاريخي هل ما برحت أستاذنا الستاوي في شك من أن الصحابة ( المهاجرين والأنصار أولا وبين المهاجرين ثانيا ) قد اختلفوا فيما بينهم بشأن خلافة رسول الله عليه الصلاة والسلام ولكنهم بعد مفاوضات وعناء توصلوا إلى حل ببيعة أول خليفة للرسول فكان أبو بكر رضي الله عنه ، وهل ما برحت في شك من أن أحدا لا يقرء تاريخ هذه الأمة كما دعيتنا في مقالتك. إني أدعوك من كل قلبي لقراءة تاريخ أمتنا من جديد .
( 5 )
واعلم أستاذنا الكبير الستاوي أن ما قصدته في مقالتي عن السقيفة في الشأن اليمني أن خلافا شب بين أهل صنعا ( وأمثلهم بموقف قريش في السقيفة ) منا الأمراء ومنكم الوزراء ، وأهل الجنوب وأمثلهم بالأنصار ــ مع اختلاف الشبه ـ عندما اختلفوا في تقسيم المناصب بينهم قبل أن يسقط نظام عبدالله صالح . قلت إنك أخذت بظاهر النص ولم تمعن النظر في جوهرة ورحت تستعدي على الكاتب من يريد الصيد في الماء العكر ،سامحك الله وغفر لنا ولك .
آخر الدعاء : اللهم متعنا بحسن النوايا وزدنا علما وألحقنا بالصالحين .

