الأحد 28 ديسمبر 2025 الساعة 01:03 ص

مقالات وآراء

فليرحل الحصار والاحتلال ويبقَ هنية

حجم الخط

احتوى مقال جديد للكاتب أكرم عطا الله بعنوان "سيدي رئيس الوزراء في غزة ارحل" على الكثير من المعلومات والإحصائيات والبيانات المغلوطة والتي تحتاج إلى بحث وتدقيق من مصادرها الرسمية، وقد أجرى الكاتب محاكمة "غير عادلة" لعمل الحكومة الفلسطينية في غزة دون أن يأتي ببراهين وأدلة تثبت حديثه مكتفياً بتأثر خاص بناءً على بعض المشاهد التي رآها خلال سيره في أحد شوارع غزة ليلة عيد الفطر.

ومع احترامي وتقديري للزميل أكرم عطالله الذي كتب مقاله بوازع وطني فإنه أورد معلومات خاطئة تحتاج إلى تعديل، وبالطبع لا يختلف أحد مع الكاتب في بعض ما ذكره عن تردي الأوضاع في قطاع غزة ولكن الاختلاف في إعفاء الاحتلال عن تحمل المسئولية وإلقائها في وجه الحكومة وهذا ما يحتاج إلى توضيح بالبيانات والأرقام والتصريحات من مصادرها.

 

يتحدث الكاتب في مقاله عن قطاع غزة والواقع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه المواطنون ولا يتطرق مطلقاً لواقع الضفة المحتلة وكأنها تعيش حالاً اقتصادياً أفضل رغم أن إحصائيات وتقارير المؤسسات الدولية الأخيرة تقول غير ذلك فتقرير منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد" نشرته الأمم المتحدة على موقعها الالكتروني عام 2010 يبين أن اقتصاد غزة شهد نمواً بنسبة 15 بالمائة بينما نما الاقتصاد في الضفة الغربية بنحو 6ر7.

هذه النتائج لا تعني أن القطاع يعيش رفاهية وأمناً اقتصادياً فمعدل الفقر في فلسطين خلال عامي 2009/2010 وصل إلى 38 بالمائة ولكن ذلك يدلل على أن حكومة هنية ورغم ما تمر به من حصار وتضييق تمكنت من إحداث نمو اقتصادي تجاوز الضفة رغم ما يقدم لحكومة فياض من تسهيلات مالية واقتصادية كبيرة.

 

يغفل الكاتب أهم العوامل التي ساهمت في زيادة نسب الفقر والبطالة في فلسطين محملاً رئيس الوزراء كامل المسئولية عن ذلك فطالبه بالاستقالة والسؤال هنا كيف لنا محاكمة حكومة عملت في ظروف صعبة وقاسية ولم تأخذ فرصتها وحرمت من المقدرات المالية؟ وكيف لنا أن نغفل تقارير المتخصصين في هذا المجال ومنهم الدكتور محمود الخفيف منسق قسم مساعدة اقتصاد الشعب الفلسطيني بالأونكتاد الذي يوضح الأسباب الحقيقية للتدهور الاقتصادي في الضفة وغزة بقوله: "إن عوامل سياسة الاحتلال لا تزال قائمة ولم تتغير بشكل ملحوظ قطاع غزة مازال تحت الإغلاق، في حين أن في الضفة الغربية مازال بناء الجدار الفاصل متواصلا... فضلا عن تعرّض قطاع غزة لتهديم كبير عقب الحرب الإسرائيلية في نهاية العام 2008 وبداية العام 2009، وما ترتب عنها لحد اليوم من حظر على استيراد مواد البناء باستثناء تلك الموجهة للمنظمات الدولية".

ومن الأسباب التي يذكرها الخبير الدولي ارتباط الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير بالاقتصاد الإسرائيلي ويقول "كان من نتائج كل ذلك أن القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني اضمحلت بسبب التدمير أو الحصار وصعوبة تنقل المنتجات والعمالة سواء في الداخل أو للخارج.

إذن ليس رئيس الوزراء وسياسة حكومته السبب في وصول غزة إلى هذا الحال..انه الاحتلال والحصار والاتفاقيات وسياسات حكومية سابقة.

هذا الحديث لا يعني أن الحكومة الفلسطينية لا تتحمل جزءً من المسئولية فوجودها مرتبط بتوفير متطلبات الحياة الكريمة وفرص العمل لمواطنيها ولكن ليس من الإنصاف تحميلها كامل المسئولية وتبرئة الاحتلال.

 

يذكر الكاتب في موضوع التعليم معلومات غير صحيحة عن نسب النجاح في الثانوية العامة لهذا العام فيقول " تقدم هذا العام لامتحان الثانوية العامة 36,400 طالب، كان عدد الذين لم تبلغ نسبتهم 60% أي الذين لا يستطيعون الالتحاق بالجامعة حوالي 24 ألف طالب".

لا أدري من أين حصل الكاتب على هذه البيانات والنسب فسجلات وزارة التربية والتعليم العالي الرسمية تقول غير ذلك حيث تقدم هذا العام في قطاع غزة 36153 طالب نجح منهم 22614 طالب منهم 9475 لن يتمكنوا من دراسة البكالوريوس لحصولهم على نسبة أقل من 60% ولكن بإمكانهم دراسة الدبلوم في الكليات المتوسطة ومن ثم استكمال دراسة البكالوريوس وفق شروط معينة.

 

وعندما يتحدث الكاتب عن واقع وزارة الصحة فلن ينكر أحدٌ أن هناك واقعاً صعباً يعيشه هذا القطاع؛ ومن الضروري هنا التذكير بان الحكومة تسلمت هذه الوزارة الكبيرة قبل 5 سنوات وهي مثقلة بالهموم والمشاكل والترهل والضعف ولا تستطيع معالجة كل ذلك في ظل حصار خانق ومنع إدخال المواد الأساسية والأدوية، ومرة ثانية نتساءل لماذا يحمل الكاتب رئيس الوزراء مسئولية أزمة الدواء وتقارير وزارة الصحة وجهات حقوقية ودولية تقول إن حكومة فياض تمنع إدخال مستحقات غزة الدوائية، وأنه بعد أحداث 2007 اتخذت رام الله قراراً بعدم توريد الدواء مباشرة إلى غزة رغم إن ميزانيته كانت تمول من البنك الدولي لصالح حساب وزارة الصحة!! ألا يعلم الكاتب أن رام الله اتخذت من الإجراءات الروتينية والخطوات غير المبررة التي عقدت وصول ما تحتاجه مستشفيات غزة؟ ثم من قال أن وجود حكومة هنية أحدث تدهوراً في الواقع الصحي وكأن الواقع الصحي في الضفة أحسن حال!! ألم يسمع الكاتب بمطالبة لجنة تقصي الحقائق البرلمانية الخاصة بملف المجلس الطبي الفلسطيني في الضفة إقالة وزير الصحة رئيس المجلس الطبي الفلسطيني فتحي أبو مغلي من منصبه وإعادة تشكيل المجلس الطبي هناك بسبب الخروقات والتجاوزات المالية والإدارية الحاصلة في عمله وسوء استخدام الموقع وإدارة المال العام وهدره!!

لا ينكر أحد وجود أخطاء بعضها خطير في وزارة الصحة ولكن الإصلاح والعلاج يحتاج إلى ظروف طبيعية وإمكانات متوفرة؛ والمسئولون هنا يعون حجم التحديات التي تواجههم وهم يعملون في ظل أوضاع مالية واقتصادية صعبة دون أن نعفيهم من تحمل المسئولية فبعض الأخطاء لا علاقة لها بالحصار أو الأزمة الاقتصادية.

 

إن دور الإعلام مهم وضروري في تصويب الأخطاء ولفت انتباه المسئولين لسلبيات المجتمع شرط أن تكون المعلومات المقدمة واضحة وحقيقية وموضوعية؛ وفي كثير من الأحيان يحتاج أولو الأمر إلى من يلفت انتباههم لبعض القضايا ولكن تبقى المشاكل والأخطاء ظواهر عامة تحدث في كل المجتمعات حتى الغنية والمستقرة منها.. فهل يخلو مجتمع من البطالة والفقر؟ لا نريد أن ندفن رؤوسنا في التراب وندعي المثالية ونغمض عيوننا عن الأخطاء والتجاوزات، كما أننا لا نشك في نوايا كتبانا الذين يحرصون على مصالح شعبهم ويبحثون عما يخفف من معاناته ولكن هو الإنصاف لحكومة حاربها العالم وأغلق دونها الأبواب وتصيد لها الأخطاء فعملت في ظروف قاسية وواجهت حرباً واستنكافاً ومقاطعة وظلماً من ذوي القربى.. فلماذا لا نطالب برحيل الاحتلال وإنهاء الحصار؟