نعجز عن تصور حالة السعادة والرضا التي شعر بها عمر بن الخطاب، والرسول صلى الله عليه وسلم يوصيه بالدعاء بعد أن أذن له بالعمرة قائلا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" ولا نجد أبلغ من وصف الفاروق رضي الله عنه لها "فقال كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا".
رسول الله، أحب خلق الله الى الله، المجاب دعاؤه، المغفور ذنبه، المقبول عمله، رائد الأمة الى الجنة ومفتّح أبوابها يطلب من أخيه الدعاء تحببا وتوثيقا لأواصر الأخوة وتطبيقا لسنته التي أخبر أتباعه عنها وبشرهم بأجرها وفضلها فقال: "دَعْوةُ المرءِ المُسْلِمِ لأَخيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابةٌ عِنْد رأْسِهِ ملَكٌ مُوكَّلٌ كلَّمَا دعا لأَخِيهِ بخيرٍ قَال المَلَكُ المُوكَّلُ بِهِ: آمِينَ، ولَكَ بمِثْلٍ".
موقف يجعلنا نتحسر أننا لم ندرك رسولنا، و نتطلع ليوم نكون فيه أهلا لتطبيق سنته و أهلا لذخرى نبينا و شفاعته، يوم يسقينا بيده الشريفة من حوضه المورود شربة لا نظمأ بعدها، و نتعوذ من أن نكون من الذين يقول لهم"سحقا سحقا فقد غيرتم بعدي!"
وقد مدح الله المؤمنين لذات الفعل فقال تعالى: "والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان"، وأمر النبي فقال: "واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات"، وقال إخبارًا عن إبراهيم عليه السلام أنه دعا "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب".
نعجز كذلك عن تصور شدة المعاناة والألم والعجز التي جعلت الصحابة الذين ذاقوا صنوف العذاب يتوجهون الى رسول الله رغبة في دعائه المستجاب ويقولون له: "ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟" فيوجههم الى الصبر ويبشرهم بعاقبته.
وقد قال أحد العلماء إن أفضل الدعاء وأضمنه إجابة أن تدعو الله بلسان لم تعصه به! فتحير الناس! فما من إنسان الا قد عصى الله بلسانه! فأجابهم: ولكنكم لم تعصوا بلسان إخوانكم، فاطلبوا دعاءهم واحرصوا عليه، واستكثروا من الصالحين فإن لكل مؤمن شفاعة يوم القيامة فلعلك تدخل في شفاعة أخيك
ومن ذاق حلاوة أن يهدي له أخوه شيئا من دعائه ويعطيه من وقته وقلبه ومشاعره، ويفرح لفرحه داعيا الله أن يتم نعمته عليه، وينغم لهمه داعيا الله أن يفرج كربه، سيعلم أن لا شيء كالدعاء يثبت المحبة في القلب ويرسي دعائم الإيمان فقد جاء في الحديث: "أوثق عرى الإيمان الحب في الله" وهذه المحبة التي يزينها الدعاء هي التي أجزلت أجر الأخوة فجعلت للمتحابين في الله منابر من نور يوم القيامة يغبطهم عليها النبييون والشهداء، وهي الخلة التي تدوم وتتصل عندما تنقطع الصلات ويهرب الناس من أحبابهم ويعادونهم الا اخوتهم المتقين.
وقد كانت هذه العلاقات مدخل الصحابة للتواصي بالحق والصبر فكانوا يلقون بعضهم ويقولون: "اجلس بنا نؤمن ساعة" يجمعون بين محبة لقاء الاخوان والأنس بهم والأنس بطاعة الله، وقد ذكر أبي وائل قال: انطلقت أنا وأخي حتى دخلنا على الربيع بن خيثم فإذا هو جالس في مسجده فسلمنا عليه فرد علينا السلام ثم قال: ما جاء بكم؟ قلنا: جئنا لتذكر الله عزوجل فنذكره معك، وتحمد الله ونحمده معك.
وما أحوجنا بالإضافة الى دعاء المحبة للاخوة أن نجتهد في دعاء النصرة للأمة ونستنصر الله للمجاهدين والمستضعفين فوق كل أرض وتحت كل سماء كي لا تصيبنا استغاثة ذلك المسلم الذي أتى الكعبة من بلاد حرب وتعلق بأستارها داعيا: "اللهم إني أشكو إليك المسلمين، نسونا حتى في الدعاء"!!!
لا تنسنا يا أخي من دعائك:
إن أنت قمت إلى الصلاة بليل خوف أو رجاءْ
تدعو الإله تضرعا والعين قرحها البكاءْ
فاذكر أخاً لك بالذنوب قد سد أرجاء الفضاءْ
فاجعل له ما تنتقيه من الدعاءْ
فلعل دعوة محسن تنجيه من ذاك الشقاءْ
