الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 09:52 ص

مقالات وآراء

ماجد أبو مراد

مدير الدائرة الإعلامية بالمجلس التشريعي
عدد مقالات الكاتب [48 ]

أمريكا بين أزمة الديون وسقوط الحلفاء

حجم الخط

يظن البعض أن أمريكا ما زالت تعيش أفضل أيامها، وتمر بأوج شبابها وعنفوان قوتها، على اعتبار أنها قرن العالم الوحيد وقوتها لا تضاهى، معتقدين أنه لا يستطيع أن يقف أمام جيشها أحد، ولا يقوى زعيم أو رئيس على مخالفة أمرها، وإلا لقي ما لا يسره من محاولات التهميش والحصار السياسي أو التصفية الجسدية هذا هو ظاهر الأمر، وقناعة بعض الناس ممن سكنت واستوطنت في نفوسهم الهزيمة وتمكنت منهم فلا تكاد تغادرهم قيد أنملة، متناسين أو غافلين بأن القوة التي لا تحكمها مخافة الله لا يمكن لها أن تنتصر أو تبقى، وأن أمريكا لن تدوم لها قوة عسكرية ولا سياسية ولا حتى اقتصادية، كما لم تدم القوة لغير أمريكا عبر العصور والقرون السالفة، لأن قوة العربدة والعنجهية والسلاح وقتل الأبرياء لن يكتب لها الدوام وإن استمرت إلى حين.

 

والحقيقة أن مقومات أمريكا للاستمرار كقوة أولى بالعالم قد تأثرت وتضررت كثيراً، كما وأن نفوذها يتضاءل يوماً بعد يوم، حتى تأثيرها في ساحة السياسة الخارجية لم يعد كما كان عليه الحال بالأمس، بفعل تحطم بعض أدواتها السياسية وفقدها للبعض الآخر، ولو أردنا البحث في مردود هذا الأمر لوجدنا أن ضعف أمريكا ووهن أسلحتها السياسية على الصعيد الخارجي على وجه التحديد عائد لعدة أسباب يمكن تركيزها بثلاثة محاور رئيسية.

 

أولاً: كراهية أمريكا:

لقد سئمت الشعوب العربية والإسلامية تصرفات الإدارات الأمريكية وحكوماتها المتعاقبة، ذلك لأن المؤسسة الأمريكية لم تقم سياستها على احترام عقول العرب والمسلمين، واحترام حقوقهم بالحرية والاستقلال، وكذلك الرؤساء الأمريكيون بدءا من الرئيس الأول جورج واشنطن ومروراً بكافة الرؤساء وتحديداً جورج بوش الأب وابنه اللذين أغرقا المجتمعات العربية بالدماء والحروب، وليس أدل على ذلك من حروب أمريكا الأخيرة بالمنطقة سواء حرب الخليج الأولى وما جرى بالعراق وأفغانستان وباكستان، وجرائم الجيش الأمريكي بحق المجاهدين، وما شهده معتقل غوانتانامو - سيئ السمعة والصيت - والواقع بجزيرة تسمى كوبا من تعذيب أبناء المسلمين دون أي مبرر، ودون رحمة في خرق واضح وفاضح لأبسط مبادئ حقوق الإنسان والقيم الإنسانية، كل هذا جعل الشعوب العربية والإسلامية تشتعل غيظاً من سياسة أمريكا وبطش جيشها، مما أدى لمشاعر الكراهية والبغض تجاه كل ما يأتي من الولايات المتحدة حتى ولو كان في ظاهره أمراً صالحاً في نظر بسطاء الناس.

 

ثانياً: الأزمة الاقتصادية:

إن ما تعانيه الولايات المتحدة الأمريكية من الأزمة الاقتصادية بالغة التعقيد وما ترتب عليها من ديون وبمبالغ كبيرة قاربت على (15) ترليون دولار، بالطبع لا تقوى أمريكا على حملها – سوى بسياسة العربدة والعنجهية التي تتبعها- ضاعف من المشكلة وقلل من ثقل أمريكا الاقتصادي، وما ذاك لشيء إلا لأن البنك المركزي الأمريكي اضطر لطبع مبالغ هائلة من العملة الأمريكية دون أن تملك أمريكا مقابلها رصيداً من الذهب، وذلك بغرض تمويل حروبها الظالمة بالمنطقة، الأمر الذي لا يجد له العديد من خبراء الاقتصاد بالعالم تفسيراً إلا الإفلاس بعينه، مما أدى لضعف قدرة أمريكا على التأثير على غيرها من الدول، وخاصة فيما يتعلق بفرض سياسة خارجية معينة تتماشى مع الهوى الأمريكي.

 

ثالثاً: سقوط الحلفاء:

لقد أتى ربيع الثورات العربية بخلاف ما يرغب صانع السياسة الأمريكية، وأبحرت الجماهير العربية وفق رياح لا يشتهيها قائد السفينة في البيت الأبيض، وكان من نتائج الثورات العربية تلك زوال بعض حلفاء أمريكا من الزعماء العرب، كان في مقدمتهم النظام المصري والرئيس المخلوع مبارك، الحليف الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة العربية، علاوة على رحيل بن علي وسقوط نظام حكمه، وتضعضع الأمن باليمن وضعف مكانة الرئيس – غير المرغوب به جماهيرياً– علي عبد الله صالح، الذي أوشك على فقد الحكم، زوال الأنظمة وسقوط الحكام هؤلاء أدى بالضرورة لتوقف عجلة الدبلوماسية الأمريكية عن الدوران للأمام تجاه تنفيذ أجندتها الخارجية الخاصة بالشرق الأوسط والمنطقة العربية.

 

وفي الخاتم:

فإن أمريكا لن تنجو من تلك الأزمات المتلاحقة التي تعصف بها وبمكانتها وقوتها في العالم، سواء الأزمة المالية والديون المتراكمة عليها أو سقوط الحلفاء أو حتى تنامي ظاهرة الكراهية والحقد عليها وعلى سياساتها تجاه قضايا الأمة العربية والشعوب الإسلامية، وأكاد أجزم بأن مجد الولايات المتحدة المزعوم لن يصمد عقداً واحداً بعد اليوم - على أكثر تقدير - لو منع العرب تدفق أموالهم بالبورصات والمصارف الأمريكية، ولو فعلوا "الأسلحة الاقتصادية الثقيلة" في وجه الولايات المتحدة سيما مسألة بيع النفط الخام التي تقوم بتخزينه دون حاجتها لاستخدامه عاجلاً، أو على الأقل لو أقدموا على سحب أموالهم المتراكمة بالبنوك هناك، فهل يفقه رجال الأعمال والزعماء العرب وأصحاب الأمبروطوريات الاقتصادية وأباطرة المال المسلمين هذا الأمر ولا يدعوا أموالهم تساهم بتمويل جيش أمريكا القاتل بامتياز، ولا يقدموا طوق النجاة لبلد معادٍ اقترب من الهاوية والإفلاس.