في عام 2002م سجل التاريخ بروز ظاهرة هي أقوى من الأسلحة الذرية وهي أن يقدم الإنسان الفلسطيني طائعاً مختاراً على الموت بيده, فيفجر نفسه ومن حوله من الاسرائيليين بالآحاد وأحياناً بالعشرات, بحيث أصبحت حرب جنوب لبنان نزهة للاسرائيليين.
وبالطبع يتناقش الناس حول هذه الظاهرة فينقسمون إلى أكثر من فريقين, هل ما يحدث هو الانتحار المحرم أم هو أسلوب غير مباشر لتحرير فلسطين من الغزاة؟!.
وهذا الجدل يشبه الجدل البيزنطي القديم “هل البيضة من الدجاجة أم الدجاجة من البيضة؟” كما يشبه الجدل الذي اندلع غداة حرب الخليج الثانية, حيث قام رجال معتبرون من كل جانب يدلل على صحة موقف فريقه بالأدلة العقلية والنقلية أن ما أقدم عليه صاحبه هو الحق.
وفي العادة فإن الخصومة تقود إلى تشبث كل فريق برأيه بحيث ينسى في غمرة التحزب كل شيء آخر.
وأنا شخصياً استفدت من ابن خلدون كثيراً, فهو لا يناقش الأشياء بهذه الطريقة, كما لا يناقشها من بداياتها بل من نهاياتها, ونحن اليوم لا نتجرأ أن نقول إلا ما يقول العوام خوفاً من رجمهم.
ويذكر التاريخ أن المفسر أبو جعفر بن جرير الطبري الذي صنف في التاريخ وله التفسير الكامل وكتابه “تهذيب الآثار” قال عنه الفقيه الاسفراييني إنه لو سافر رجل إلى الصين من أجله لم يكن كثيراً.
وقال عنه ابن كثير إنه لو كمل لما احتيج معه إلى شيء, توفي وعمره تجاوز الثمانين ودفن في داره لأن بعض عوام الحنابلة منعوا من دفنه نهاراً ونسبوه إلى الرفض ومن الجهلة من رماه بالإلحاد.
وتعلمت من ابن خلدون النظر في مجرى الأحداث كيف تقع لا كيف يتمنى الإنسان ويفتي.
والشعب الفلسطيني اليوم لا يسمع لأحد ويعمل بغريزته الخاصة.
ولذا فالتصنيف يشبه من ينظر في سباق الخيل أو مصارعة محمد علي كلاي ويقول يجب أن يتبع قوانين الركض أو تكتيكات الضرب.
وعندما يشتبك الإنسان في معركة حياة وموت فإنه يستخدم كل وسيلة تقع في يده.
والكويت عندما استعانت بأمريكا فعل العراق قبلها مثلها, فكل التقنيات الأمريكية وضعت تحت يده بما فيها حصد الجنود الإيرانيين بالغازات السامة في الفاو, وهو ما فعله الألمان في الحرب العالمية الأولى.
وما يردع القوى العظمى اليوم عن استخدام السلاح النووي هو السلاح النووي, وهو ما حجز بين باكستان والهند.
“ولقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب”.

