الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:36 م

مقالات وآراء

«إسرائيل» وفزاعة «العثمانيين الجدد»

حجم الخط

لقد بات في حكم المؤكد إن "إسرائيل" باتت توظف فزاعة عودة "العثمانين الجدد" في محاولاتها بناء تحالفات دولية جديدة تستعيض بها عن التحالف السابق مع تركيا. هناك الكثير من الأسباب التي تفسر التحول الهائل في موقف اليونان من "إسرائيل"، لكن مما لا شك فيه أن أحد أهم هذه الأسباب هو تدهور العلاقات التركية بين "إسرائيل" وتركيا في أعقاب أحداث أسطول الحرية الأول في أواخر أيار/ مايو من العام الماضي. فتركيا التي كانت من أوثق حلفاء "إسرائيل" كانت عدواً لدوداً لليونان، وهذا بالضبط ما دفع النخب الحاكمة في كل من تل أبيب وأثينا لاستغلال هذه الأحداث لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين الجانبين. فقد كان الإسرائيليون يبحثون عن بدائل تعوضهم ما خسروه جراء تراجع التعاون العسكري الذي كان يربط أنقرة بتل أبيب، سيما التدريبات الجوية والتعاون الاستخباري، وعوائد صفقات بيع السلاح وغيرها. في حين وجدت اليونان في هذا التطور مناسبة لاستغلال العلاقات مع "إسرائيل" لمواجهة الأزمة الاقتصادية التي كانت تعصف باليونان والتي تفاقمت حتى بلغت مستويات خطيرة جداً.

وقد أدركت "إسرائيل" حجم الطاقة الكامنة في العلاقات مع أثينا وعوائدها الاستراتيجية على الكيان الصهيوني، فأخذت تستغل تراث العداء بين تركيا واليونان عبر التشديد على أهمية تطوير العلاقات بين الجانبين في الوقوف أمام "الأطماع" التركية. وتشهد الباحثة الإسرائيلية أبيراما غولان بأن النخب الإسرائيلية حرصت على لفت أنظار المسؤولين اليونانيين مراراً إلى ما جاء في كتاب وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو " العمق الاستراتيجي " باعتبار أنه دليل على توجهات أردوغان لبعث الدولة العثمانية في نسختها الحديثة وأدواتها الجديدة، وأن كتاب " أوغلو " يمثل في الواقع "دليل العثمانيين الجدد" لاستعادة النفوذ القديم. ولا يتردد الإسرائيليون في استغلال الرواسب التاريخية الناجمة عن وقوع اليونان وبقية دول البلقان تحت الحكم العثماني لمئات السنين. ويعترف السفير الإسرائيلي في بلغاريا نحجال جالنر بأن "إسرائيل" باتت تركز على الإرث التاريخي والثقافي في تحفيز دول البقان بشكل عام للتعاون مع الكيان الصهيوني، إلى جانب توظيف "الإسلامفوبيا" في أوروبا في محاولة بناء علاقات على أسس جديدة مع هذه الدول. لذا لم يكن من المستهجن أن تكون اليونان تحديداً، الدولة الأوروبية التي تنقذ "إسرائيل" من التداعيات التي كانت ستترتب على إبحار "أسطول الحرية 2" صوب شواطئ مدينة غزة، وتحول دون تحقق سيناريو الرعب، الذي ظلت تخشاه تل أبيب، والمتمثل في المواجهة الحتمية بين الجيش الإسرائيلي والمشاركين في الأسطول، وهو السيناريو الذي سعت حكومة نتنياهو بكل قوة لتلافيه.

مع العلم أن اليونان كانت حتى وقت قريب أكثر الدول الأوروبية تضامناً مع القضايا العربية، ومؤازرة للشعب الفلسطيني، وكان دعم النضال الفلسطيني ضد الاحتلال، أحد محاور الإجماع بين الفرقاء السياسيين في الساحة اليونانية. لقد كان الحزب الاشتراكي اليوناني "الباسوك"، سيما تحت قيادة جورجيو بباندريو، جد رئيس الوزراء الحالي جورج بباندريو، وتحت قيادة والده أندرياس بباندريو، وقد توليا رئاسة الوزراء في أثينا، أكثر الأحزاب الاشتراكية تأييداً للقضية الفلسطينية، وكان الرئيس الفلسطيني الراحل صديقاً شخصياً لأندرياس ببناندريو. ونظراً لهذا الموقف فقد كانت اليونان آخر الدول الأوروبية تقدم على إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" عام 1992، وحتى عندما تم تبادل السفراء بين الجانبين، فقد ظلت العلاقات بين الجانبين باردة.

لغة المصالح.

لا خلاف على أن حكومة نتنياهو الحالية هي الحكومة الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ "إسرائيل"، وهي الحكومة التي لم تراع أبسط قواعد التعامل الدبلوماسي والسياسي في استخفافها بالجهود الدولية الرامية لكسر الجمود في عملية التسوية السياسية، عبر مواصلة الاستيطان والتهويد. ومع كل ذلك فإننا نلاحظ أن هذا السلوك لا يؤثر على مواقف مجموعات من دول العالم، لأن هناك التقاء في المصالح بينها وبين "إسرائيل". فلا أحد يتحدث عن تقرير "غولدستون"، الذي اتهم "إسرائيل" بارتكاب جرائم حرب، ولم تأخذ هذه الدول في الاعتبار عشرات التقارير الأممية التي اتهمت "إسرائيل" بخرق حقوق الإنسان الفلسطيني بشكل منهجي. يفهم العالم لغة المصالح فقط، وتتحرك الدول وفق إيقاع مصالحها القومية، ودول البلقان طورت علاقاتها مع "إسرائيل" ليس فقط لأن هناك التقاء مصالح مع تل أبيب، بل لأنها تدرك أن هذا السلوك لن يؤدي إغضاب الأنظمة العربية الرسمية. لو كان النظام الرسمي العربي ينطلق من المصالح لما تجرأ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على استقبال الرئيس اليوناني في رام الله دون أن يعبر له -على الأقل- عن احتجاج فلسطيني رسمي على قرار اليونان بمنع سفن "أسطول الحرية" من التوجه إلى غزة.