الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 02:44 م

مقالات وآراء

شباب الخمسة عين

حجم الخط

كانت اهتمامات الشباب و طموحاتهم في الستينات و السبعينات تلخصها خمس كلمات تبدأ بحرف العين: "عربية (سيارة)، عزبة (مزرعة)، عيادة، عمارة، عروسة" و لعل هذه الطموحات لم تختلف كثيرا في أواخر القرن و قد صورت الأغنية ذائعة الصيت "كمننا" حلم الشباب بما يلي: "أنا نفسي ألقا نفسي واد حبيب و بيه و معايا فلوس كتير ستين تلاف جنيه و أشرب كازوزه في العجوزه مع استاكوزا ايه و اجيبلي دش مع الموبيل و الحته الكوبيه".

 

و الأحلام في النسخة القديمة و الحديثة لا تعبر عن أكثر من مشاريع للإثراء السريع الذي يكفل تحصيل أغلى الكماليات، و لو عن طريق مهنة إنسانية كمهنة الطب تكفل للطبيب عن طريق عيادته أن يكون من أصحاب العمارات و العربيات و العزب على حساب آهات المريض التي ان خففها جسديا فقد زادها نفسيا لقاء ما يتقاضاه نظير العلاج!

 

لقد أظهر تقرير التنمية الانسانية العربية في استطلاع لقياس اهتمامات الشباب أن اهتمامهم الأكبر ينصب على تحصيل فرصة عمل، و تحصيل شهادة، و لو مزورة، تضمن الوظيفة! و في عالم ما قبل الثورات العربية كانت السياسة و الاقتصاد، برغم تأثيرهما الكبير على الحياة، في ذيل قافلة اهتمامات الشباب بشكل عام من باب أن السياسة شر يجب الابتعاد عنه، و كان الشباب يتعاملون مع استلاب الإرادة السياسية الشعبية، و تدهور الحالة الاقتصادية بشيء من التسليم و الرضوخ و اللامبالاة!

 

إن المادة جزء مهم في حياة الإنسان، و لكنها ليست العامل الأهم في تحديد ملامح الشخصية و الحياة لأننا في الركض وراء المواد و قضايا العيش نستوي مع صغير خلق الله، فالحيوانات أيضا تهتم بما تأكل و ما تشرب و كيف تتناسل، و الطيور تعد أعشاشها و تعتني بصغارها، فأين أفضلية العقل التي أسجدت لنا كرام الملائكة و فضلتنا على العالمين؟

 

إن ما يميز المرء عن غيره هو همته و طموحه الباعث على العمل، و هذه قد تكون محصورة في إطار الدنيا أو ترى الاستثمار في الدنيا واجبا لإعمار الآخرة، و الناس تختلف في الهمم و الطموحات، وفي ذلك قال ابن القيم" و لله الهمم ما أعجب تفاوتها فهمة معلقة بالعرش، و همة حائمة حول الأنتان و الحش (القاذورات)".

 

لقد آن لنا أن نخرج من شرنقة الأنا التي لا نرى فيها أبعد من أنوفنا الى رحابة الطموحات و الأهداف العليا التي تعمنا و غيرنا بالخير، إن الانعتاق من أنفسنا هو بداية التحرر الحقيقي، و لقد ذم أعرابي رجلا فقال" هو عبد البدن حر الثياب، عظيم الرواق، صغير الأخلاق، الدهر يرفعه و همته تضعه".

 

لقد أثبتت الأيام الماضية أن علو الهمة و ارتفاع سقف الطموحات ليس أمرا فرديا،و لكنه يتأثر بقوة بحالة المجتمع، و حالة المجتمع تتأثر بحالة الحكم، و صدق ابن كثير إذ قال" الناس على دين ملوكهم" فقد رويأن الوليد بن عبدالملك كان يُحب العمران والتشييد ،وكذا كان الناس في عصره ، فقد كان الرجل يلقى الرجل فيسأله : كم داراً عندك ؟ وكمغرفة بنيّت ؟!وفي عهد سليمان بن عبدالملك والذي كان يُحبالأكل ، صار الناس يسألون بعضهم عن أنواع الأكل وأطايب الطعام،وفي عهد عمر بنعبدالعزيز - رحمه الله، والمُلقب بخامس الخلفاء الراشدين لعدله وزهده وورعه، صار الرجل يلقى الرجل فيسأله : كم صليت البارحه ؟ وكم تحفظ من القران ؟ وكم وردك؟

 

و لما كان هم ملوكنا و رؤسائنا أن يرتعوا في الملايين أصبح هم الشعب أن يحصل حتى و لو ملاليم! فلما تغير الرأس الفاسد ظهر المعدن الأصيل لشباب الأمة و ظهرت الأمانة و الأخلاق و النظام و المحاسبة و الانتماء

 

فهل نعيش الزمان الذي يصبح فيه شباب الخمسة عين خمسة في عين العدو؟