الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:42 م

مقالات وآراء

القيادة عقد فيه قبول وإيجاب

حجم الخط

حزنت كثيراً وأنا أستمع إلى الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وهو يتحدث أمام الإعلام بعد ما أصابه من حروق وتشويه نتيجة ما يجري في الساحة السياسية اليمنية، والحزن نابع من منطلق إنساني وليس سياسياً، وكان بإمكانه تفادي كل هذه الدماء وهذا الدمار الذي حل بالشعب اليمني واليمن وما حل به هو شخصياً، لو فكر قليلاً بما ستؤول إليه الأحوال والأوضاع، وسأل نفسه سؤالاً واحداً ماذا بعد؟، وإلى متى؟.

 

الرحيل عن الحكم والسلطة وارد لأي زعيم أو رئيس، ألا تكفي هذه السنوات من الحكم التي مرت على الكثير من الرؤساء والملوك العرب، هذه الفترة قبلهم بها مواطنوهم ولم نسمع لهم صوتاً يعترض، سواء برضاهم أو رغماً عنهم، واليوم هم يصرخون من كل أعماقهم ويقولون كفاية، أو ارحل، وغيرها من العبارات، لماذا يصل الرؤساء العرب بأنفسهم إلى هذه المرحلة التي أصابتهم في مقتل ونالت من كرامتهم وكان بالإمكان تفاديها والخروج من الحكم بشكل مشرف يحفظ لهم مكانتهم وتعلو في نظر مواطنيهم بدلاً من هذا الانحدار الذي وصل بهم نتيجة عنادهم وتمسكهم بسلطان زائف.

 

المسألة ليست متعلقة بشخصية الرئيس اليمني، بل الأمر منسحب على كل الرؤساء العرب الذي سقطوا في فخ التسلط والتمسك بالحكم، وكان بالإمكان أن يتلقفوا اللحظة التاريخية المناسبة للخروج بكرامة طالما أن هذه هي رغبة شعوبهم، يحفظون الوطن والمواطن وتصنع لهم التماثيل على شجاعتهم وإيثارهم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة والتمسك بسلطان زائل بالثورة أو بالموت، ولكن تبقى السيرة العطرة أو عكسها.

 

المؤسف أن غالبية الرؤساء العرب يكررون نفس الأخطاء، ويصرون على العناد ومواصلة فرض أنفسهم رغم مواقف شعوبهم منهم، ويستخدمون نفس الحجج والمبررات وحتى نفس العبارات التي تتكرر في الحديث عن ثورات شعوبهم من أجل تشويه شعبهم وتدمير مقدراته وحضارته، ودفعه نحو اللجوء إلى أعدائهم حماية لأنفسهم من بطش النظام وجبروته.

 

فالرئيس السوري بشار الأسد مثلاً كان يمكن له الاستفادة من تجارب التونسي بن علي والمصري حسني مبارك، وما يجري في ليبيا واليمن ويستجيب لرغبة شعبه الذي خرج بشكل حضاري وسلمي وطالب بالتغيير وما زال الاحتجاج سلمياً رغم دموية الأحداث وارتفاع عدد القتلى، لأنه في نهاية المطاف التغيير حادث حادث، فلماذا لا يحدث بطريقة يحترم فيها الرئيس الشعب ويبقى احترام الشعب حاضراً للرئيس؟.

 

ما ينطبق على الحكام ينطبق على أي قيادي في أي موقع كان فيه يقود عنصر بشري، لأن أصل القيادة هو عقد فيه قبول وإيجاب، فإذا حدث أي خلل في أي من القبول والإيجاب يعني بطلان العقد، وعلى القيادة أن تتنحى جانباً وتترك المجال لاختيار قيادة جديدة تقود العمل قبل أن "تتكلس" ولا تعطي مزيداً من النجاح.

 

وكما يقولون تغيير الوجوه رحمة، وفيه نفع كبير لحسن العمل، لأن القائد في مكان ما قد يعطي ما لديه من طاقات وبعد ذلك يوقف العطاء، لأنه أعطى كل ما لديه، والقائد ليس من مهامه القيادة فقط، بل من أهم مهامه هو صناعة القادة وهذه القضية غائبة حقيقة عن فهم قياداتنا للقيادة الحقيقية في كل المواقع.

 

وهنا أستشهد بالشهيد القائد الشيخ أحمد ياسين والذي فهم معنى القيادة الحقة، فلم يكن قائداً فقط بل كان من صنع القيادات في الحركة الإسلامية، هذه القيادات التي حملت الدعوة والحركة في حياته وبعد مماته، ولم تمت حركته بموت القائد كما يحدث مع كثير من الحركات والتنظيمات.