تأتيني الأسئلة بغزارة هذه الأيام عن طبيعة تأثيرات ما يحدث اليوم على القضية الفلسطينية مستقبلا؟ وفي تصوري للمشاكل فإن القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني هي قضية جانبية هامشية، والمشكلة الجوهرية والصراع الأساسي هو التخلص من الاستبداد الداخلي وبآليات الكفاح السلمي فتولد المجتمعات محررة من علاقات القوة.
وهذا الفهم بُشرنا به منذ أكثر من ثلاثين عاما، ويبدو أن بذوره بدأت هذه الأيام في الثمر أو هكذا يخيل إلي. وهناك من يظن أن عصر الإسلاميين قادم، وأن ما يسمى جماعات الإسلام السياسي سوف تتصدر المشهد خلال الفترة القادمة لاسيما وقد تصدروا ميادين الفعل الثوري في بعض دول المنطقة. ورأيي في المسألة أن من تصدر ميادين الفعل لم يكونوا جماعات الإسلام السياسي بل جيل جديد من الشباب مختلف التوجهات لحسن الحظ، وإذا انتصرت جماعات الإسلام السياسي وأمسكت بمقود العمل السياسي فسوف تدخل المنطقة من جديد عصر الظلمات، ولن تصحو قبل قرن أو قريبا منه على أنوار الحداثة، فالتدين مثل الملح قليل منه جيد ولا بد منه في الطعام وأهميته للدم أساسية من شوارد الكلور والصوديوم، وقبضة من ملح تجعل الطعام لا يستساغ ولا يؤكل، وكذلك حال التدين والإسلام السياسي.
ومما يخطر في البال وما يلفت النظر في طبيعة الثورات الحالية هو انضواء كافة التيارات والجماعات السياسية تحت راية واحدة هي راية إسقاط النظام في كل دولة تقريبا، فهل يا ترى تحمل هذه الجماعات مشروعا مدنيا بقدر تطلعات وأحلام الشعوب. وفي تحليلي للمسألة فإن ما يحدث طبيعي هو التخلص من الاستبداد الداخلي وهي مفرق الطريق للخلاص، وتعلمنا من مالك بن نبي قوله أنه حين يكثر الكلام عن الاستعمار ضللنا وإذا كثر الحديث عن القابلية للاستعمار نجحنا، وكأن الحديث اليوم هو التخلص من الاستبداد الداخلي وهو فأل خير، فقد بدأت الشعوب تتنبه إلى العدو الحقيقي، فالاستعمار والاحتلال الخارجي سهل التشخيص واضح الألم سريع الزوال سهل العلاج خلاف الاستبداد الداخلي الذي هو لعنة في الثقافة ودمار في المخ ويأس مقيم في النفوس وسرطان يقترب من الاستحالة في العلاج، ونظرة لعدد القتلى في سورية لأنهم قالوا: لا؛ يشرح المسألة فقد قتل وبأشنع طريقة ما لم يقتل في الحروب مع إسرائيل. ومن أعجب المفارقات أن الجمهوريات تحولت إلى أشنع من عصر المماليك من التآمر والغدر والانقلابات المشؤومة وقلب عقارب الزمن ومحور التاريخ، فأصبحنا نمشي على رؤوسنا إلى الوراء بدون الشعور بالدوخة. وكما كانت الكرة الأرضية كروية وبالتالي فالشمس تلف الأرض ولا تفعل ما فعلت مع أصحاب الكهف تزاور عنهم ذات اليمين إذا أشرقت وتقرضهم ذات الشمال إذا غربت ومعنى هذا الكلام أن هذا المخاض في العالم العربي لن يعفو عن مكان قليلا أو كثيرا.
والزلزال حين يضرب ترتج كل الأرض وطوفان نوح لم يكن منه عاصم حتى لو هرب ابن نوح إلى جبل يعصمه من الماء. وأخيرا تم مقتل بن لادن.. ولكن هل يا ترى ستنتهي القاعدة بمقتله، أم أنها أصبحت فكرة متحركة حتى بعد مقتل بن لادن؟ وحول مقتل ابن لادن أقول ابن لادن خرافة، وأمريكا خرافة.
واختصر نعوم تشومسكي في كتابه أباطرة وقراصنة المسألة في لقاء بين الإسكندر وقرصان البحر فقال له كيف يمكن لك أن تزعج البحر فأجاب القرصان أنا أغِير بزورق ومجداف فأسمى قرصانا، وأنت تنهب البحار والشعوب فتسمى الإمبراطور، فهذه هي قصة الأقوياء والضعفاء في العالم، فهل نعرف لماذا يعبد اليزيديون الشيطان؟ عفوا يتجنبون ذكره لأنه يمسك العالم أو هكذا يعتقدون.

