قد يكون بوسعنا أن نصدق ما قالته وزيرة الداخلية البريطانية في سياق تبرير اعتقال الشيخ رائد صلاح، حارس الأقصى ورئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني لو أنه صدر عن وزير داخلية في دولة الصومال، مع أن أجهزة الكومبيوتر باتت موجودة في كل الدول بلا استثناء بما فيها الصومال، أما أن يصدر عن وزيرة داخلية أحد أهم دول أوروبا، فلا يبدو ذلك منطقيا.
الوزيرة قالت إن الشيخ ممنوع من دخول البلاد، ما يعني أن اسمه مدرج ضمن لائحة الممنوعين في النقاط الحدودية، الأمر الذي لا يبدو صحيحا، ليس فقط لأنه دخل باسمه الصحيح وليس بجواز سفر مزور، بل أيضا لأن الشخص المعني ليس نكرة، وإنما هو رجل يعرفه القاصي والداني، ولا تجهل الأجهزة الأمنية البريطانية التي تحصي أنفاس المسلمين، فضلا عن نشاطاتهم المعلنة، والتي تعلق إعلاناتها في المساجد التي تراقب بعناية فائقة وعلى مدار الساعة.
دخل الرجل بريطانيا من الباب بعد إعلانات تبشر بقدومه ومشاركته في احتفالات مرخصة، والأكثر إثارة أنه كان مدعوا للحديث في البرلمان البريطاني، وليس ثمة عاقل يعرف الوضع في بريطانيا يمكنه أن يصدق أن دخوله كان محض خطأ تمت المبادرة إلى تصحيحه لاحقا من خلال اعتقاله تمهيدا لترحيله، وبالطبع لأن الشيخ يحمل جواز سفر إسرائيليا كما يعرف الجميع.
الأكيد أن احتجاز الشيخ قد تم بناءً على ضغوط من قبل اللوبي الصهيوني الذي تجاوزت سطوته الحدود في الكثير من الدول الأوروبية، ومنها بريطانيا، مع فارق أن الاستقلالية الجيدة للقضاء البريطاني لا زالت تقف بهذا القدر أو ذاك في وجه التغول الصهيوني على الحياة العامة، لاسيما الشق المتعلق بالنشاطات الخاصة بالقضية الفلسطينية.
ولأن الاسرائيليين يعتقدون أن لندن باتت حاضنة لنشاطات ما يسمونه «نزع الشرعية» عن دولة «إسرائيل»، فقد تصاعدت حمى الضغوط على الحكومات البريطانية من أجل وضع حد لتلك النشاطات، لاسيما بعد واقعة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني التي كانت على وشك الاعتقال في مطار هيثرو إثر قضية رفعها ضدها ناشطون بريطانيون بتهمة ارتكاب جرائم حرب أثناء الحرب على قطاع غزة. وقد علم الجميع كيف أن صحوة الفلسطينيين ومناصريهم على استثمار القوانين الأوروبية في هذا السياق قد أدت إلى تغييرها أو تعديلها في عدد من الدول ومن بينها بريطانيا بضغوط من اسرائيل والولايات المتحدة.
اليوم، وكما تحدى الشيخ رائد صلاح الجلاد الإسرائيلي وبات زائرا دائما على سجونه، ها هو يرفض قرار الترحيل البريطاني لأنه يؤمن بأنه يحمل قضية عادلة، وأنه سيذهب حتى النهاية في الإجراءات القانونية لأنه يرفض تلطيخ اسمه وسمعته بتهم كاذبة وحقيرة على شاكلة «معاداة السامية».
هذه الملاحقة التي يتعرض لها الشيخ هي وسام شرف له، وتأكيد على حجم القلق الذي يسببه للاحتلال بكل مكوناته، هو الذي يقف سدا منيعا أمام مساعي تهويد المسجد الأقصى، وعموم مدينة القدس التي أبدى المفاوض الفلسطيني مرونة فائقة في سياق التفريط بها كما فضحت ذلك وثائق التفاوض التي كشفتها الجزيرة وأكد القوم صحتها، وإن حاولوا الدفاع عن أنفسهم بطريقة غير مقنعة.
لا نعرف إلى أين ستفضي قضية اعتقال الشيخ، لكن ما جرى يؤكد ما ذهبنا إليه من التطور المتصاعد للحضور الصهيوني في الأروقة السياسية الأوروبية، وبالطبع بعد أن صار ذلك الحضور عاملا أساسيا في صناعة القرار السياسي في الولايات المتحدة التي يحظى نتنياهو فيها بدعم داخل الكونغرس يدفعه نحو الاستخفاف برئيس الدولة (أوباما) في عقر داره.
على أي حال، سيبقى الشيخ شوكة في حلوقهم، وسيبقى صوته المنافح عن القدس وكل فلسطين يقض مضاجعهم، ومن ورائه جحافل من الرجال حتى يأذن الله بالنصر الذي تتبدى بشائره من صرخات شباب الأمة في ميادين التحرير والتغيير.
في ذات السياق، وكتأكيد على أن الموقف الذي تعرض له الشيخ قد جاء نتاج ضغوط صهيونية، جرى منع الداعية الشيخ الدكتور أحمد نوفل من السفر للمشاركة في ذات الاحتفال الذي يقيمه (المنتدى الفلسطيني في بريطانيا)، وقد حصل ذلك في المطار نظرا لوجود تأشيرة لدى الشيخ الذي زار بريطانيا أكثر من عشر مرات. وكان موقع مقربا من اللوبي الصهيوني قد طالب بمنع الشيخ نوفل والشيخ رائد من دخول بريطانيا، وجاءت الاستجابة بالطريقة التي تابعنا.
ليس من مصلحة بريطانيا أن تغادر تعدديتها وانفتاحها تحت وطأة اللوبي الصهيوني، لأنها بذلك تفقد ميزتها الأهم التي منحتها الحضور والدور والكثير من المصالح، ,في مقدمتها الاقتصادية، رغم نهاية امبراطوريتها منذ عقود طويلة.


