عندما قال المثل الشعبي "الذي يُجرّب المُجَّرب عقلُه مُخَّرب" لم يأت ذلك من تجارب محدودة أو قليلة، وإنما من تجارب غير محدودة وكثيرة جداً جداً. بل ما كان لهذا المثل المشحون بالحكمة واليقظة أن يدوم عقوداً وقروناً لو لم يؤكد نفسه في كل حالة جُرّب فيها المُجرّب. وذلك بالانتهاء إلى نتيجة كارثية، ما يسمح باتهام الذي يُجرّب المُجرّب بأن عقله مخرّب.
لأن ما من حالة يمكن أن تشبه الحالة المجرّبة بكل التفاصيل من حيث الشخوص والزمان والمكان والظروف وعشرات الجزئيات، كان من الممكن دائماً أن يتكرر تجريب المجرّب استناداً إلى بعض التفاصيل، الأمر الذي يسمح بتسويغ تجريب المجرّب أمام من يعترض عليه أو اقناعاً للذات وإراحة للضمير، ودعك من داء الغرور أو الاعتزاز بالنفس أو ادعاء التفوق في المقدرة الخاصة.
نعيش هذه الأيام حالتين صارختين على تجريب المجرّب:
الأولى: تدخلها قوى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى إيديولوجية خرجت إلى سطح الأحداث، أو إلى الفعل المؤثر فيها بعد انتصار ثورتي مصر وتونس واندلاع الثورة في أكثر من بلد عربي.
ثمة تجربة طويلة وعميقة وشبه شاملة في كل الأقطار العربية وذات طبيعة تاريخية، فضلاً عن شبه شمولها في العشرات من تجارب الشعوب ألا هي العلاقة التقاربية أو التحالفية مع أمريكا أو الارتهانية لها. فالتجربة العربية على الخصوص كانت صارخة في نتائجها السلبية أكثر من أية تجربة سلبية أو كارثية في بلدان أخرى في العالم. وذلك بسبب خصوصية وجود الكيان الصهيوني في قلب الوضع العربي، وبسبب ما يربط الأقطار والشعوب العربية من أواصر تصل إلى حد الوطن الواحد والأمة الواحدة.
لقد بدأت العلاقة بين أمريكا والكيان الصهيوني على أساس وضع الكيان الصهيوني باعتباره جزءاً من علاقات أمريكا التحالفية، وقد عده البعض في السابق قاعدة أمامية لأمريكا، أو حتى بارجة من بوارجها العسكرية، وكان الحفاظ عليه وتأمين تفوقه العسكري على الدول العربية مجتمعة جزءاً ثابتاً من الإستراتيجية الأمريكية العالمية والإقليمية عربياً وإسلامياً. الأمر الذي حكم سياسات أمريكا إزاء "حلفائها" أو خصومها العرب من خلال هذه الإستراتيجية، ولكن مع بقاء سمة إخضاع تلك السياسات للأولوية العالمية في الإستراتيجية الأمريكية، وهي مواجهة الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي.
من هنا كان يمكن لحلفاء أمريكا في تلك المرحلة عدم الاعتراف أو التطبيع مع الكيان الصهيوني، وأن يتحركوا ضمن سياسات معادية بهذا القدر أو ذاك للكيان الصهيوني شريطة عدم اختراق سقف التسلح الذي كان مفروضاً على العرب. وطبق هنا الشرط على الوفاق الأمريكي- السوفياتي في سياسات الأخير حول التسليح العربي.
هذا الوضع تغير خلال العقدين الماضيين، أي بعد انتهاء الحرب الباردة، وذلك بقيام تماهٍ بين السياسات الأمريكية وسياسات الكيان الصهيوني، مثلاً ارتهنت كل علاقة بأمريكا بضرورة الاعتراف بالدولة الصهيونية أو الاستعداد العلني للاعتراف بها بعد التسوية (مبادرة السلام العربية).
بل يمكن القول إن هذا التغيير أدخل العلاقات الأمريكية بالكيان الصهيوني كما بالعرب مرحلة جديدة تمثلت بانتقال العلاقة الأمريكية بالمنظمات اليهودية الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية من علاقات منظمات ضغط داخلي (لوبي) إلى علاقات مشاركة في القرار الأمريكي وفي وضع إستراتيجية أمريكا، وفي التحكم في الكونغرس وفي الانتخابات الرئاسية.
من هنا أصبحت السياسة الأمريكية صهيونية في بلد المنشأ حد تسخير الإستراتيجية الأمريكية في خدمة السياسات الصهيونية في أمريكا وفي الكيان الصهيوني، وهذا تغير نوعي عما كانت عليه العلاقة في مرحلة الحرب الباردة.
الذي يهم هنا في "تجريب المجرَّب" بأن تفهم أي علاقة بأمريكا ضمن إطار هذا التماهي وقد ترجم نفسه في تجربتي نظامي حسن مبارك وزين العابدين على أوضح وجه كان سبباً رئيساً لما حدث من انحطاط سياسي واستبداد وفساد.
فمن يظن أن باستطاعته إقامة علاقة إيجابية بأمريكا خارج هذا المجرّب. ودعك من الفهم والمعرفة للطبيعة الإمبريالية الأمريكية وما اقترفته أمريكا من نهب للثروات العربية وتعميق للتجزئة واستتباع للسياسة والاقتصاد ومن حروب احتلال ودعم لحروب العدوان الصهيوني، إنما يخادع نفسه ويجرِّب المجرَّب، وسينتهي إلى ما انتهى سابقه إليه، بل سيكون سقوطه أسرع وأشد دوياً.
الحالة الثانية: دخول بعض القوى الجديدة التي أخذت تصعد إلى السطح، في تجريب المجرّب في معالجة القضية الفلسطينية ومواجهة الصراع مع الكيان الصهيوني وذلك من خلال تبني سقف مشاريع التسوية والقرارات الدولية، والطريق هنا يبدأ بعدم الاتعاظ من تجربة فتح وبعض فصائل م.ت.ف. في الحوار مع أمريكا وأوروبا، وقد قاد إلى اتفاق أوسلو، وانتهى إلى ما انتهى إليه الوضع الراهن.
هنا أيضاً تتداخل التفاصيل من حيث الشخوص والزمان والمكان والظروف وعشرات الجزئيات، لتسهل عملية تجريب المجرّب من خلال التوهم بأننا لسنا أمام حالة تجريب المجرَّب.
طبعاً لولا هذه التفاصيل المضللة دائماً لما جُرِّب مجرَّب قط.
