الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:35 م

مقالات وآراء

ألوان من القراءات

حجم الخط

القراءة قد تكون تسلية قبل النوم، وقد تكون استغراقا في قصة فتقرأ مرة واحدة فلا تعاد، وهناك القراءة التي لا تترك مبهما ولا عويصا إلا فكَّته وحللته، وهناك القراءة الخاشعة تبكي معها الروح ولعلها وأعظمها مع قراءة القرآن على النحو الذي شرحه الفيلسوف الهندي (محمد إقبال) فهو يروي أن والده كان يسأله كل يوم نفس السؤال ويتلقى نفس الجواب: ماذا تقرأ يا بني؟

كان جوابه: أقرأ القرآن يا أبتي!

 

حتى جاء يوم فسأله محمد إقبال ولكن يا أبتي كل يوم تسأل نفس السؤال وأجيبك نفس الجواب، فلم أفهم سبب التكرار؟

قال والده: يا بني اقرأ القرآن وكأنه ينزَّل عليك!

يقول محمد إقبال: منذ ذلك اليوم انفتحت لي مغاليق المعاني.

 

وأنا شخصياً أتذكر الآية التي تذكر (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه) فكنت أتعجب كيف ينام الناس في أكثر الأوقات توترا أي عند الاستعداد لدخول الحرب حتى روى لي أخي تلك اللحظة عندما توترت الأجواء بينه وآخرين إلى الذروة ثم جاءته لحظات من النعاس قال لي بعدها شعرت بقوة روحية مذهلة.

 

وهنا فإننا نطور مبدأ (محمد إقبال) خطوة أوسع إلى الأمام، أي العيش في نفس اللحظات النفسية لنزول الآيات ولكن من يفعل أو يمكن أن يحصل له ذلك؟

 

ويروى عن الصحابة طريقة تعاملهم مع القرآن أنه كان إذا نزلت عشر آيات استوعبوها ثم عملوا بها فتشبعت بها أرواحهم واستقام بها سلوكهم.

 

وفي القرآن تعبيرات في غاية الجمال والدقة والوصول إلى الهدف على نحو هندسي رشيق، ويشعر المرء أن كمية الكلمات أكبر من المعنى أي أن ألفاظاً قليلة يمكن أن يولد الإنسان منها معاني عدة وهو ضرب من البلاغة اختص به القرآن، وكتب الكثير حول هذه الظاهرة مثل إعجاز القرآن للباقلاني والجاحظ والزمخشري والجواهري والنسفي.

 

ومن هذه التعبيرات (واُشربوا في قلوبهم العجل) أو تعبير (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) أو تعبير (فأخرج لهم عجلاً جسدا له خوار) وتعبير اُشربوا ليس شربوا ولا يمكن أن يشربوا العجل ولكنه (تشرب) أي امتصاص مزمن وتشكل بطيء يضرب في جذور تربة متعطنة بالمفاهيم الفاسدة.

 

والسبب في رسوخ مثل هذه المفاهيم المغلوطة تناقض الكلام والتصرف، فهم من جهة يقولون سمعنا وهم بالمقابل لا يطيعون (سمعنا وعصينا) ومرض ثقافي من هذا النوع يمكن أن يتعرض له أهل أي ملة. وعندما يتكلم القرآن عن أمراض المجتمعات فلا يعني هذا أننا نملك المناعة الأزلية ألا نصاب بها، والعكس بالعكس بمعنى أن اليهود فيهم من الخصال السيئة الشيء الكثير ولكنها ليست أمراضاً بيولوجية بل أمراض ثقافية يمكن أن يتخلصوا منها. كما أن هذه الأمراض يمكن أن نقع نحن فيها. وعندما يستعرض الإنسان القرآن الكريم يرى ضرباً من الأخلاقيات السيئة بدأت تستشري بيننا مما يذكر بالمرض اليهودي القديم الذي تعرضت له سورة البقرة على نحو تفصيلي.

 

وأنا شخصيا عندما كنت شاباً صغيرا استهوتني قراءة الإمام في صلاة المغرب، فكنت أصغي إليه بشغف وحفظت مقاطع كاملة وأنا أصغي له قبل أن أبدأ مشروعي الكبير في حفظ وفهم القرآن، وكنت أشعر أنها موسيقى علوية تمتلك قلبي، وهكذا حفظت نهاية سورة النحل التي كان يكررها دوما (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة).

 

كذلك أتذكر أنني كنت أصلي في حارة أخرى في مدينتنا صلاة العشاء الآخرة وكان الإمام يجلس بعد صلاة العشاء فيقرأ سورة (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير). كانت السورة تحليقا علويا في النفس والمجتمع والتاريخ وعالم الطير والجيولوجيا والفلسفة، وكنت أتابع سماع الآيات بقلب شاهد وأتأثر جداً، وكثيرا ما بكيت من التأثر من زخم وقوة المعاني.