الأربعاء 07 يناير 2026 الساعة 07:51 م

مقالات وآراء

منير شفيق

مفكر إسلامي عربي
عدد مقالات الكاتب [330 ]

لا تجعلوا من تجربة أردوغان فتنة

حجم الخط

لا شك في أن تجربة حزب العدالة والتنمية بزعامة طيب رجب أردوغان في تركيا ناجحة من الناحية السياسية عبر تحويلها للدور السياسي التركي إلى دور فاعل إقليمياً وعالمياً، فيما كان عقودا طويلة شبه معطل.

 

هذا وتجربة حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان ناجحة من ناحية اقتصادية عبر تحويلها لتركيا إلى نمر اقتصادي ولو بالمقاييس الغربية للنمورية. علماً أن هذه المقاييس مختلفة ويجب أن تخضع للنقد.

 

ثمة سمة من السمات العامة للتجارب الناجحة في بلدان العالم الثالث منذ ثورات الاستقلال الوطني حتى اليوم (وهذه سمة عالمية تقريباً) تمثلت في تحويل تجربة ناجحة إلى فتنة بسبب محاولات تقليدها والسير على منوالها.

 

هذا ما حدث مع كل تجربة لثورة ناجحة في القديم والحديث وذلك بتحويلها إلى نمط للمحاكاة والتقليد من دون مراعاة الخصوصية والظروف وموازين القوى، ما كان يؤدي إلى إخفاقات مريرة وأحياناً إلى كوارث. فعلى سبيل المثال حدثت عدة كوارث في عشرينيات القرن الماضي لثورات حاولت تقليد ثورة أكتوبر في روسيا، أو ثورة الصين أو فيتنام أو كوربا (والهند/ غاندي).

 

ومن هنا يمكن القول إن الثورة الناجحة كانت تتحول إلى فتنة حين يذهب العقل البليد إلى تقليد نمطها وعدم التقاط ما هو جوهري وأساسي في كل حالة، والأهم فهم حالته الخاصة نفسها.

 

الأمر نفسه أخذ يتكرر مع التجربة السياسية والاقتصادية لحزب العدالة والتنمية بسبب ما أصابه من نجاح وإنجازات، ولا سيما من قبل بعض الإسلاميين، وذلك بسبب خروج حزب العدالة والتنمية من رحم حركة إسلامية، كما من كون التجربة هنا في بلد إسلامي.

 

صحيح أن أردوغان منذ خروجه بحزب العدالة والتنمية أعلن صادقاً بأنه لم يعد حزباً إسلامياً، وقد أكد أنه علماني بالمقياس الأتاتوركي للعلمانية. ولكن الكثيرين أصروا وما زالوا يصرون على أنه حزب إسلامي يدخل ضمن إطار الحركات الإسلامية المعتدلة. طبعاً هذا الإصرار يفتقر إلى المطابقة مع الحقيقة والواقع كما يتضمن درجة من الاحترام لأردوغان بالتعامل وحزب العدالة كأنه باطني، وهو ليس كذلك بالتأكيد.

 

أردوغان وحزبه عضوان في حلف الناتو، وحليفان لأمريكا، ويعترفان بالكيان الصهيوني ويطمحان لإقامة أحسن العلاقات لو كف عن حصار قطاع غزة، وارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وقبل بالتسوية على أساس حل الدولتين.

 

على أن أردوغان وحزبه ابتعدا عن سياسات حلف الناتو وأمريكا في حرب العدوان الصهيوني على قطاع غزة مع البقاء في الحلف والمشاركة في أفغانستان (ليس قتالياً) وتطور نجاحهما الاقتصادي فيما تركيا داخل إطار المنظومة الرأسمالية العالمية والعولمة.

 

يجب أن يلحظ هنا بأن سرعة بروز الدور السياسي التركي بقيادة اردوغان ارتبطت بكل خطوة افترق فيها عن السياسة الأمريكية، بالرغم من استمرار التحالف كما ارتبط التطور الاقتصادي مع كل خطوة اقتراب من الأقطار العربية والإسلامية والعالم ثالثية وتعاون معها.

 

من هنا تصبح هذه التجربة فتنة إذا كان الاقتداء بها سيقود إلى التقارب مع أمريكا أو التحالف مع الأطلسي أو الاعتراف بالكيان الصهيوني، أي يكون الاقتراب بالاتجاه المعاكس عملياً للتجربة من حيث يظن الاقتداء الناجح بها.

 

المشهد هنا يشبه الخارج نسبياً من حالة التبعية لأمريكا والداخل نسبياً إلى حالة التبعية لها، فيلتقيان مثل التقاء ركاب سيارتين التقوا في مطعم للاستراحة وقد جاءا من اتجاهين متعاكسين، وبهذا يكون حالة تجربة أردوغان إلى أمام وتجربة الذي التقاه عند تلك الاستراحة إلى الوراء، أي كالتقاء الخارج من النار بالداخل إليها عند نقطة ما.

 

فمن يلتقي مع أردوغان وحزبه في التقارب مع أمريكا وفي الاعتراف بالكيان الصهيوني يجعل من تجربة أردوغان فتنة بدلاً من الالتقاء بها في نقطة التباعد مع أمريكا والتصادم مع سياسات الكيان الصهيوني.

 

وبهذا يكون اللقاء إيجابياً، ولا يحوّل ما هو إيجابي في تجربة أردوغان إلى فتنة لقوى المقاومة والممانعة والثورات الشعبية العربية أو للقوى الخارجة من سجن التبعية والاستبداد والفساد.