السبت 24 يناير 2026 الساعة 04:07 ص

مقالات وآراء

تل أبيب ومصادر القلق من السلوك الباكستاني

حجم الخط

تتسع دائرة التهديدات الإستراتيجية على «إسرائيل»، وأحد مصادر القلق التي باتت تشغل المستويات السياسية والعسكرية في «إسرائيل» هو مصير المشروع النووي الباكستاني. وتشارك «إسرائيل» الغرب القلق مما تراه تقاربا بين قطاعات في الجيش الباكستاني وتنظيم القاعدة.

 

ردة الفعل الشعبية القاسية على عملية اغتيال زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، تركت المجال أمام فتح الكثير من الأسئلة لدى الإسرائيليين، الذين يتقاسمون القلق مع حليفهم الأمريكي. لا يوجد لدى الصهاينة أي قدر من القلق تجاه سلوك النخبة السياسية الحاكمة في إسلام أباد، فالرئيس زرداري، على غرار سلفه برويز مشرف يبدي حرصاً هائلاً على استرضاء الغرب، وضمن ذلك آلية مغازلة «إسرائيل». حتى الآن لا يبدو زرداري قد وصل إلى ما وصل إليه مشرف، الذي التقى بوزير الدفاع الإسرائيلي إيهود براك بشكل سري في باريس قبل ثلاث سنوات لطمأنته على مصير المشروع النووي الباكستاني، وأن هذا المشروع بعيد تماماً عن أيدي العناصر التي يمكن أن تسرب الرؤوس النووية الباكستانية لجهات إسلامية، تصفها تل أبيب بـ»المتطرفة». وترى محافل استخبارية صهيونية وأمريكية أن هناك أوساطا هامة في الجيش الباكستاني تبدي تعاطفاً كبيراً مع تنظيم «القاعدة»، وهي ذات الأوساط التي وفرت الملاذ الآمن لأسامة بن لادن. وقد زار أحد قادة الاجهزة الاستخبارية الامريكية، الذين تولوا في الماضي مناصب حساسة «إسرائيل» والتقى عددا من قادة الاجهزة الاستخبارية الاسرائيلية حيث حذرهم من مغبة أن تستولى «محافل اسلامية على السلطة في الباكستان وتسمح لجماعات اسلامية، وعلى رأسها القاعدة بالوصول الى القنبلة النووية التي قامت باكستان بتصنيعها».

 

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن الجنرال بروس رايدل، الذي تولى مناصب رفيعة في عدد من الاجهزة الاستخبارية الامريكية وعمل مستشاراً لشؤون الشرق الاوسط للرئيسين كلينتون وبوش، وأدى مناصب عليا في مجلس الامن القومي قوله لعدد من كبار رجال الاستخبارات الإسرائيليين: «لو كنت في الادارة الامريكية اليوم، لكانت المسألة الاولى التي يتوجب على الرئيس الأمريكي أن يوليها الاهتمام هي: أين يحتفظ الرئيس الباكستاني بالمواد المشعة التي تجهز بها القنابل الذرية».

 

وأضاف رايدل: «نحن نعرف أين تقع مخازن السلاح وأين الصواريخ، ولكننا غير واثقين من أننا نعرف أين توجد المادة المشعة».

 

وأضاف رايدل: «من زاوية نظر منظمة القاعدة، فإن هجوماً على «إسرائيل» لن يكون أقل نجاعة، بل وربما أكثر من هجوم على الولايات المتحدة». ويقدر رايدل بانه إذا كانت هناك ثورة اسلامية في الباكستان، ومنظمة اسلامية من نوع القاعدة تسيطر على سلاح نووي؛ فان الهدف الأول للهجوم لن يكون الولايات المتحدة بل «إسرائيل»».

 

والذي يزيد الأمور تعقيداً لدى «إسرائيل» هو حقيقة أن الاستخبارات الأمريكية تشك أن بعض الجهات الرسمية في الباكستان حاولت تزويد تنظيم القاعدة بالسلاح النووي. وقال داني روتشيلد الذي شغل في الماضي منصب رئيس قسم الابحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية أن اكثر ما يثير القلق هو أن يحصل تنظيم «القاعدة» أو أي تنظيم اسلامي على سلاح نووي تكتيكي، وهو سلاح قادر على الحاق ضرر مباشر بشكل محدود ويمكن حمله أو اطلاقه بدون أن يتطلب ذلك تقنية عالية.

 

لكن هناك في «إسرائيل» من يخشى أن تقوم باكستان بتزويد دول عربية بالتقنيات النووية، سيما مصر والسعودية. وقد تحدث عن هذه القضية بشكل صريح وواضح وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، الذي يحذر من أن «كارثة رهيبة» ستحل بـ»إسرائيل» في حال سمح العالم للدول العربية بتطوير اسلحة نووية.

 

ويرفض ليبرمان بشدة الحديث عن وجوب منح العرب الفرصة لتطوير برامج نووية سلمية. وقد جاء في حديث له مع التلفزيون الإسرائيلي: «يتوجب علينا ألا نقع أسرى في شباك العرب الذين يتحدثون عن برامج نووية ذات طابع سلمي، فالخطر يكمن في أن هذه البرامج تمكنهم من التحول الى برنامج نووي ذي طابع عسكري، وهذا سيؤذن بكارثة على دولة «إسرائيل» والشعب اليهودي».

 

ويرى ليبرمان أن الثورات العربية تحديداً تظهر إلى حد كبير الخطورة التي ينطوي عليها امتلاك العرب للتقنيات النووية، حيث يقول إن هناك احتمال أن تسيطر الحركات الإسلامية على الحكم، وعندها «لن تتردد ولو لحظة واحدة عن القيام بكل خطوة من شأنها تدمير «إسرائيل» والقضاء على شعبها قضاءً مبرماً»، على حد تعبيره. وواصل ليبرمان تحريضه على الحركات الإسلامية، متسائلاً: «عليكم أن تتصوروا فقط ماذا سيحل بنا عندما تتولى الحكم في مصر إحدى الحركات الاسلامية، وهي تعي أن لديها إمكانيات عسكرية غير تقليدية مثل السلاح النووي».

 

وكرر ليبرمان ما قاله نائب وزير الاسرائيلي السابق افرايم سنيه، قائلاً: «مصر في هذه الحالة لا تحتاج أن تعلن الحرب علينا، فمعظم اليهود سيتركون «إسرائيل» لمجرد أنهم عرفوا أن نظام حكم تسيطر عليه حركة اسلامية أصبح لديه سلاح نووي».

 

لكن من الواضح أن التحذير من صعود الإسلاميين مجرد فزاعة، حيث ترفض «إسرائيل» امتلاك العرب للتقنيات النووية، سواء تولى الحكم الإسلاميون أو العلمانيون، وبغض النظر إن كان نظام الحكم ديمقراطيا أو شموليا.

 

لكن مما لا شك فيه أن التجربة دللت على أن «إسرائيل» كانت مرتاحة لتولي الطغاة مقاليد الأمور في العالم العربي، لأن هؤلاء لا يعنيهم بالمطلق تعزيز قدرات بلدانهم، ولا ينطلقون من افتراض أن «إسرائيل» عدو.

 

منذ زمن بعيد تبدي تل أبيب اهتماماً كببراً بما يجري في باكستان، وهي ترى البرنامج النووي الباكستاني الذي انتج عددا كبيرا من القنابل والرؤوس النووية يمثل خطراً وجودياً على مستقبلها. لكن تل أبيب تراهن على أن تلعب الإدارة الأمريكية دوراً مفصلياً في إعادة ترتيب الجبهة الداخلية الباكستانية بشكل يقلص المخاطر المستقبلية عليها.