لا جديد في قصة المصالحة، ويبدو أن السلطة لا تعيرها أي اهتمام، فهي أخذت منها ما تريد: التفويض بالتفاوض، دفع الناس إلى نسيان أو تناسي فضيحة وثائق التفاوض، ومن ثم استعادة الشرعية للرئيس الذي جلس وحيداً على المنصة إلى جانب المسؤولين المصريين معيداً التأكيد على برنامجه.
إذا جاءت المصالحة بسلام فياض رئيساً للوزراء، وأقله وزيراً للمالية مع رئيس وزراء أقل شأناً يسمى مستقلاً من الناحية النظرية، بينما سيكون محكوماً للسلطة ومن بعدها لسلطة الاحتلال التي ستمنحه بطاقة الـ«في آي بي». إذا حدث ذلك فبها ونعمت، وإلا فبوسع الحكومة العتيدة، حكومة «التكنوقراط» أن تنتظر حتى شهر أيلول، بل يمكن أن تنتظر أكثر من ذلك، والمتهم بالتعطيل هي حماس بحسب هؤلاء لأنها لا ترضى بالرجل الذي تأتمنه المؤسسات الدولية على مشروع «بناء المؤسسات» المكمل لمشروع السلام الاقتصادي لصاحبه نتنياهو، والذي يمهد لإعلان الدولة بحسب ما يروَّج بين الناس.
اليوم تقبل السلطة الفلسطينية بالمبادرة الفرنسية، وها نحن في انتظار رد نتنياهو الذي قد يقبل بها، ربما مع بعض التعديلات، لأن من عادة الإسرائيليين أن يردوا بالموافقة المتحفظة، خلافاً للسلطة التي تقبل من دون تحفظ (هل تذكرون موافقة شارون على خريطة الطريقة وشروطه الأربعة عشر عليها؟!).
ماذا في المبادرة الفرنسية من بنود تستحق أن تجعلها مقبولة من طرف السلطة، وما هو رأي الذين صالحوا تلك السلطة بناءً على ذلك؟! ثم ما هو رأي قوى اليسار التي تطبل لتلك السلطة من باب النكاية بحماس، وربما من باب الوفاء للجهات التي تدفع المعلوم نهاية كل شهر؟!
صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية كشفت لنا مضمون المبادرة، ونرجو ألا يخرج علينا متنطع ليقول إن المصدر إسرائيلي، لأن الصحيفة المذكورة لن تؤلف مبادرة من عندها.
تتحدث الوثيقة الفرنسية عن استئناف المفاوضات على أساس عدة مبادئ هي:
موضوع الحدود يُبحث على أساس حدود 67 مع تبادل للأراضي متفق عليه، وفقاً لخطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
تُدار المفاوضات على ترتيبات أمنية «للطرفين»: إسرائيل والدولة الفلسطينية.
المفاوضات تبدأ ببحث الحدود ومسألة الترتيبات الأمنية، في ما تؤجل المفاوضات على اللاجئين والقدس إلى موعد لاحق، لا يزيد على سنة من لحظة بدء المحادثات عن الحدود والأمن.
تتضمن الوثيقة قولاً صريحاً بأن هدف المفاوضات هو الوصول إلى «دولتين للشعبين» وليس فقط «حل الدولتين»، كما درجت الأسرة الدولية والفلسطينيين على القول.
هنا تعلق «هآرتس» بالقول «وهذا تغيير ذو مغزىً كبير يقترب من نتنياهو ومن طلبه من الفلسطينيين الاعتراف ب"إسرائيل" بوصفها «الدولة القومية للشعب اليهودي».
أما الجانب الآخر الذي تقرأه الصحيفة، فهو عدم حديث المبادرة عن القدس بوصفها عاصمة الدولتين، «بل فقط أن حل موضوع القدس يتحقق بالمفاوضات».
هذه هي المبادرة الفرنسية، فبالله عليكم، أي جديد فيها يستحق العودة إلى المفاوضات بدون وقف الاستيطان الذي أوجعوا رؤوسنا به بعد أن تورطوا بطرحه كشرط لاستئناف التفاوض بسبب السيد أوباما، وليس قناعة منهم، هم الذين فاوضوا أولمرت ثلاث سنوات بينما كان يسمّن المستوطنات بسعار منقطع النظير؟!
أين القدس في هذه اللعبة؟ لقد تركت إلى مفاوضات لاحقة. وأين اللاجئون؟! قضيتهم ستبحث لاحقاً!! لكن ماذا خلال السنة التي يتحدثون عنها؟
الأكيد أن المواعيد المقدسة غير واردة، لا عند نتنياهو ولا عند سواه، والعام المخصص لمناقشة الأمن والحدود قد يصبح أعواماً طويلة. والنتيجة أنا إزاء «الحل الانتقالي بعيد المدى» أو الدولة المؤقتة أو السلام الاقتصادي، لأن عاقلاً لن يتوقع أن يوافق نتنياهو على عودة اللاجئين (لم توافق ليفني على عودة أي واحد منهم)، وليس ثمة عاقل يتوقع من نتنياهو أن يمنح السلطة حصة معتبرة في القدس، مع أن ما قدموه منها لأولمرت وليفني (ورفض بالطبع) كان مصيبة بحسب وثائق التفاوض، ولا يتوقع أن يقبل به نتنياهو.
ألم نقل لكم من قبل إن كل ما يجري لا يعدو أن يكون تنويعاً على لحن واحد هو الدولة المؤقتة (في حدود الجدار) التي ستصبح في حالة نزاع حدودي مع جارتها، بما في ذلك حكاية الذهاب إلى الأمم المتحدة لطلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟!
كيف سيرد أحبتنا في حماس على هذه اللعبة، هل سيواصلون مسار المصالحة بشروطها المعروفة، بينما تتواصل الاعتقالات ونهج دايتون في الضفة، فيما تستأنف المفاوضات بالروحية المشار إليها؟!
أفيدونا رحمكم الله. ثم يأتي من يلومنا على التذكير بخطأ دخول انتخابات أوسلو ومن بعده الحسم العسكري، مبرراً ذلك بحكاية سحق الحركة لو لم تفعل، من دون أن يسأل نفسه عن ماهية هذا الذي جرى ويجري لفرعها الأهم في الضفة الغربية منذ أربع سنوات (المصالحة زادت اعتقالات الاحتلال لقادة وكوادر الحركة، ولم توقف اعتقالات السلطة!!).
بقي القول إن إصلاح الوضع ما زال ممكناً، وأجواء الثورات العربية تمنح فرصة كبيرة لذلك. فرصة لإعلان رفض مسار التفاوض العبثي، ومعه أية مصالحة على غير برنامج مقاومة الاحتلال حتى دحره دون قيد أو شرط، كمقدمة لشطبه بالكامل، وهو برنامج لم يعد حالماً بعد الثورات العربية وإمكانية تمددها نحو عواصم أخرى بالتدريج.


