الأربعاء 11 فبراير 2026 الساعة 09:08 م

مقالات وآراء

دكتور كلية العلوم... و(27) شاذا!

حجم الخط

القهر... الذل... الغثيان... امتهان الكرامة الانسانية.... سقوط كل القيم... تخشب المشاعر... الحقارة.... اللوثة الآدمية... هذه المعاني وغيرها مما تسعفك به الذاكرة او تسندك به القواميس لن تفي بما سمعته عن تلك الجرائم الوحشية التي قام بها النظام التونسي البائد ضد شعبه.

 

قضيت اياما معدودة اتنقل في الجمهورية التونسية من العاصمة تونس الى مدينة القيروان الى (بن زرت)... وكنت اظن ان الصورة واضحة وكافية في ما يتناقله الثقات ومنظمات حقوق الانسان والتجارب الشخصية عن المظالم التي كان يمارسها زين العابدين بن علي ومن قبله ابورقيبة على مواطنيهما... ولكن ما رأيته وسمعته ذكرني بالهولوكست الذي مارسه الالمان ضد اليهود وبالابادة التي وقعت على الموركسيين «المسلمين من أصل إسباني الذين أخفوا إيمانهم واكتشفوا بالتعذيب» بعد سقوط الاندلس.

 

الدكتور مُنصف بن سالم عالم فيزياء نظرية ورياضيات تونسي اذا عرفت قصته فستدرك ان النظام لم يسلم منه أحد على العلماء العالميين وهذه زاوية جديدة تضاف في سجل الحكام العرب ضد من يخالفهم من العلماء الطبيعيين وحكاية الـ(27) شاذا مع الدكتور منصف بن سالم تحتاج منا اولا ان نعرف من هو وما هي مكانته العلمية لندرك حجم الكارثة التي ابتليت بها الامة بحكامها؟!

 

منصف بن سالم وهو في الثالثة والعشرين من عمره حصل على شهادتين الاولى مهندس رئيسي في الصناعة الآلية والثانية دكتوراه اختصاص فيزياء نظرية، وعندما بلغ عمره (27) سنة حصل على دكتوراه دولة بالرياضيات.

 

تشهد له تونس لاسيما التعليم العالي والاوساط العلمية والثقافية بجهوده المضاعفة على حساب اهله ووالديه في البناء المنهجي والعلمي والتأسيسي لكلية الهندسة والعلوم بجامعة (صفاقس) وعندما برز نجمه العلمي تجاذبته المؤسسات العلمية العالمية فأصبح:

 

1 - مقررا بالمركزية الدولية للرياضيات في برلين.

2 - مقررا بمجلة الرياضيات الاميركية بمتشجن.

3 - عضوا بالمركز الدولي للفيزياء النظرية التابع للوكالة الدولية للطاقة النووية ومنظمة اليونيسكو ومقرها في مدينة تيريستا في ايطاليا.

4 - عضوا اتحاد الجامعات الناطقة جزئيا او كليا بالفرنسية (مونتريال وبروكسل).

5 - مديرا مجموعة (بحث علمي) بمركز البحث العلمي بباريس.

6 - استاذا زائرا بعدة جامعات اميركية.

7 - عضو اتحاد الفيزيائيين والرياضيين العرب.

8 - باحثا بمؤسسة الكويت للتقدم العلمي.

 

كل هذه الامتيازات لم تشفع له فأدخل السجن خمس سنوات والاخطر عاقبه النظام بالاقامة الجبرية (18) سنة وحرمه من الزيارات والاقلام والورق والكتب والهاتف والتلفزيون وقد كانت بيده شنطة فظننتها تحوي (سيديهات) لبحوث علمية واذا بها عشرات الادوية لانه خرج من السجن وبه (5) امراض، والعجيب انه لا يملك مراجعة العيادات الخاصة وهو كريم النفس ذو انفة... وعندما كان يؤسس ويطور كلية العلوم في صفاقس في بلده رشحته اليونيسكو ان يكون مديرا فيها مقابل مبلغ كبير بالمقارنة مع ما يتقاضاه في بلده، ولكن وزير التربية التونسي حينها قال له اذا ذهبت لليونيسكو فأقفل خلفك كلية العلوم وسلم المفتاح فإننا بعدك لن نستطيع الاستمرار فآثر المكوث في بلده!!

 

عندما سجن تم وضعه (18) سنة في الاقامة الجبرية جاءت عشرات المناشدات من المنظمات العلمية تطلبه وتوسطت لجنة في الكونغرس وزارت (بن علي) رئيس الدولة ورسالة من جاك شيراك وغير ذلك وكل هذا لم يشفع له، وكان مشهدا مؤثرا عندما وقف محامي الدكتور منصف بن سالم في قاعة المحكمة وقرأ رسالة تدعو هذا العالم للانضمام الى مؤسسات علمية ومع الرسالة شيك ليوقع على بياض بالمبلغ الذي يريده والمفاجأة انها رسالة من دولة اسرائيل!!! حتى ولده المتفوق بالرياضيات عوقب قبل تخرجه بثلاثة أشهر ففصل من الجامعة كل هذا لأن العالم ذو اتجاه اسلامي.

 

والدكتور في حواري معه تقدم بالشكر الجزيل لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي التي كانت ترعى بحوثه العلمية وترحاله العلمي بين المؤسسات العالمية وخص بالشكر الدكتور علي الشملان لاهتمامه به قبل وبعد السجن.

 

أما قصة عقوبته ومحاولة اهانته البالغة من الرئيس بن علي فكانت وضعه اسبوعين في السجن وفي غرفة ليس فيها إلا سبعة أسرّة وحشرت بـ(27) شاذا وتلك حكاية سيذهل العالم عندما يسمعها بصوت هذا العالم وصورته في حواري المتلفز معه على قناة «الراي» وعندما قلت لوالدتي قبل يومين تلك القصة وقلت لها كم هو مجرم هذا الحاكم! فقالت مباشرة وعلى السجية: ومن فيهم ليس بمجرم ياولدي؟!