الطفل أكبر فيلسوف بروح الدهشة والفضول والاكتشاف والتعلم دون استكبار ومع التقدم في السن يصاب الإنسان بنكبتين الاستكبار وتبخر تلك الروح في التعرف على الجديد أو رؤية القديم دوما بعين جديدة.
ومن خبرتي عن سر فعالية الإنسان الألماني هي من تربيته طفلا فإن أردت فهم مغاليق أسراره فاذهب إلى مفتاح الطفولة ففيها فتح صندوق أسراره.
أذكر واقعتين عن طفلين: جدية الأول بعد عملية زائدة دودية حين سألته هل أكلت الشوكولاته (مازحا) أجاب غير مسموح لي بذلك؟
والثاني عن طفل بطول خمس أشبار حين وقف ينصحني بعدم وضع ابنتي أروى في الإمام من السيارة؟ قال الأطفال غير مسموح لهم بالجلوس في الأمام؟ هذه الوقائع السابقة أثارت في ذهني بعض الذكريات من الوسط الألماني، وطريقة المرأة الألمانية في معالجة طفلها اليومي. كنت أتأملها وهي تعطيه كل الوقت، تنمي عقله بـ (احترام السؤال) وتنمية (الدهشة) واستثارة (روح الفضول) وتشجيع (الحوار) وطرد شبح الخوف منه، وجرأة (النقد والنقد المضاد) والتعبير عن وجهة النظر أمام الملأ دون وجل أو اضطراب، جنباً إلى جنب، مع العناية بغذائه ونظافته وحمَّامه اليومي، وتشكيل السلوك عنده في عدم إلقاء شيء على الأرض، أو عدم إخراج الأصوات من فمه أثناء ارتشاف الشوربة أو الشاي، فهي حضارة النظام والنظافة والهدوء.
وأدركت أن الطفل في مجتمعنا ومن خلال تركه للظروف (تُشَكِّله هي) ينبت وقد اغتيلت عنده مجموعة من الصفات النفسية الإيجابية لعل أبرزها (روح الدهشة) في تأمل العالم، لأنه مع وأد روح الدهشة تتوقف آلية الفضول، فيُقتل النمو وروح البحث العلمي عنده دفعة واحدة، وبالتالي لذة (الجِدَّة) في الحياة التي تخلع على الحياة معنى وتشحنها بالاستمرارية والنمو، وبكسب العادات العقلية الجديدة هذه ينشأ ليس على الانطلاق وروح المغامرة وحب اكتشاف المجهول، بل على السلبية والجمود والخوف والتقليد الأعمى. وهناك دراسة شيقة قام بها عالم النفس السويسري (جان بياجييهJEAN PIAGET) عندما قام بدراسته على أولاده الثلاثة، من خلال دراسة (التطور الروحي الحركي) وارتقائه مع ارتقاء الإنسان في العمر، ووضع اتجاهاً كاملاً بين مدارس علم النفس، التي اجتهدت في فهم المزيد عن الآليات النفسية وعملها عند الإنسان، وعلاقة ذلك في بناء العادات العقلية، ومنها كسب آلية الحوار التي نحن بصددها . ويعتبر جان بياجييه عالم نفس سويسريا ومؤسس مدرسة علم النفس الارتقائي، وهو اتجاه من خمسة اتجاهات بين (مدرسة علم النفس التحليلي ـ وعالماه فرويد ويونج) و (المدرسة السلوكية وأبرز روادها سكينر وباندورا) و (مدرسة الجشتالت وتنسب إلى فرتهايمر وكوفكا وكوهلر) وأخيراً الاتجاه الأخير (مدرسة علم النفس الإنساني) الذي شق الطريق إليه أبراهام ماسلو وفيكتور فرانكل. وينضاف للمدرسة الارتقائية الاتجاه المعرفي المعروف بـ (الفلاسفة الفينومينولوجيين = أي علم الظواهر) وكذلك علماء النفس الوجودي بدءا من كيركيجارد وسارتر، ويرتكز الاتجاه الوجودي على الفكرة القائلة بأن شخصية الفرد تتكون من خلال نضاله الذاتي لتشكيل ذاته الداخلية، إلى أن يجد لنفسه في الحياة معنى وقيمة وأسلوباً يحقق به ذاته، ويراجع في هذا كتاب (الإنسان وعلم النفس) سلسلة عالم المعرفة تأليف عبد الستار إبراهيم .ويرى (بياجييه) أن (كثيراً من المفاهيم مثل التفكير والذكاء والوعي والقيم والتوقع) تعود إلى (تأثير البيئة على الإنسان) الذي هو (محكوم بمدى وعيه بها وهو وعي يمر في مراحل ارتقائية مختلفة). وحول الارتقاء كتب اريكسون بحثا رائعا عن أزمات الارتقاء الثمانية.. لعل أهمها بعد الولادة المراهقة والزواج والعمل والتقاعد قبل الموت.


