الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 02:26 م

مقالات وآراء

منير شفيق

مفكر إسلامي عربي
عدد مقالات الكاتب [330 ]

المصالحة باتجاه الانتفاضة

حجم الخط

جعلوا من الانقسام بين سلطتين إحداهما في رام الله والثانية في قطاع غزة مشجباً يعلق عليه فشل سياسات التسوية والمفاوضات منذ كونداليزا رايس ومن بعدها جورج ميتشل. ويؤدّي إلى إخفاء شديد للأسباب الحقيقية التي صنعت ذلك الفشل.

 

وعزوا للانقسام استشراء الاستيطان في الضفة الغربية والقدس فيما السبب يرجع لمخططات الكيان الصهيوني، وتواطؤ أمريكا والاتحاد الأوروبي، بل الدولي كذلك مع تلك المخططات كما يرجع إلى ما تمتعت به الضفة الغربية من تصفية للمقاومة ومنع للانتفاضة. ومن ثم للغطاء الذي وفرّه الانخراط في عملية التسوية، وما قدّم من تنازلات فلسطينية وعربية.

 

وعندما اندلعت الثورات الشبابية الشعبية لتحقق انتصارها في تونس ومصر. وتطلق مناخاً عربياً وإسلامياً وعالمياً مؤاتياً لاندلاع الانتفاضة الثالثة في الضفة الغربية ووقوف الشعب الفلسطيني في كل مناطق وجوده وراءها. تحركت قوى داخل الضفة والقطاع لتحرف اتجاه البوصلة من التوجّه إلى الانتفاضة، ضدّ قوات الاحتلال والاستيطان والحصار، تحت حجّة أولوية إنهاء الانقسام.

 

وبهذا ضاعت فرصة ثمينة كان بمقدورها أن تحقق وحدة وطنية فلسطينية تنهي الانقسام، عملياً وميدانياً، فيما هي تخوض غمار الانتفاضة الشبابية الشعبية ضدّ قوات الاحتلال والمستوطنين والحصار، وتضع الكيان الصهيوني في مأزق خطير كان سيلحق به الهزيمة لا محالة. ومن ثم تجبره على الانسحاب وتفكيك المستوطنات، بلا قيد أو شرط.

 

لماذا وكيف؟

أولاً: كانت الشعوب العربية والإسلامية والرأي العام العالمي في حالة استعداد لدعم الانتفاضة الشعبية في الضفة الغربية ضدّ الاحتلال وكسر الحصار عن قطاع غزة أكثر بكثير مما حدث مع الانتفاضتين الأولى والثانية وما بعدهما حتى نهاية 2010.

 

ثانياً: إذا كانت المعادلة الإقليمية والعالمية قد فرضت عام 2010 حصاراً خانقاً على الكيان الصهيوني في المعركة المتواضعة التي خاضها ضدّ أسطول الحريّة. وقد وجد نفسه معزولاً مداناً، وانقلب كل من حوله وفي المقدّمة أمريكا والاتحاد الأوروبي ليعلنوا رفضهم لاستمرار الحصار على قطاع غزة. وذلك بالرغم من التواطؤ معه طوال الوقت.

 

ثالثاً: أصبح وضع أمريكا وأوروبا والحركة الصهيونية العالمية بالغ الهشاشة مع ما حدث من تغيير في ميزان القوى عالمياً وإقليمياً (عندنا) في غير مصلحتهم حتى عام 2010، وقد جاءت الثورات العربية لتربكهم وتزيد من هشاشتهم مع انهيار رأس جبهة ما سُمّي بالاعتدال العربي في مصر، ومع سقوط رأس نموذج التنمية العولمية الوهمية في تونس. ومن ثم تكريس ما حدث من تغيير في موازين القوى. بل وزيادة خلخلته.

 

يمكن القول لو اشتعلت انتفاضة ضدّ الكيان الصهيوني تُصادِم قواته، ويسقط الشهداء على دربها، لجاءت تتويجاً للثورات الشعبية، ولصحّحت بوصلتها، ولوضعت الكيان الصهيوني وأمريكا في الزاوية. بل كان من شأنها ألاّ تسمح لأمريكا بأن تتهرّب من مسؤوليتها عن السياسات التي قامت الثورات لإسقاطها في مصر وتونس على الخصوص، أو بأن تتدخل لتوقف مسار الثورات الممتدّة إلى ليبيا واليمن.

 

من هنا ينكشف الخلل في المواقف التي بالغت في اعتبار الانقسام قضيّتها الأولى على حساب تفجير انتفاضة شبابية شعبية في الضفة الغربية ضدّ قوات الاحتلال والمستوطنين. ومن ثم ضدّ الإستراتيجية التي أسقطت المقاومة والانتفاضة من حسابها، في مواجهة الاحتلال. وقد تمثلت في استراتيجية المفاوضات والرهان على الراعي الأمريكي كما الارتهان لمساعدات الدول المانحة لتأمين رواتب موظفي السلطة في رام الله وقطاع غزة. فضلاً عن الارتهان لعائدات الضرائب التي تتحكم بها حكومة الكيان الصهيوني. وهو ما كان سبباً للانقسام، وقد يكون سبباً لإفشال المصالحة.

 

أما اليوم، بعد المصالحة، فماذا سيفعل الذين غلّبوا أولوية إنهاء الانقسام على أولوية مواجهة قوات الاحتلال والمستوطنين وكسر الحصار عبر انتفاضة شاملة تملأ الشوارع والساحات وتصطدم بحواجز قوات الاحتلال والمستوطنين، فلا تكتفي بالاختباء وراء شعار «إنهاء الاحتلال» الذي ماع حين اعتبر هدفاً لتغطية استراتيجية المفاوضات والاتفاق الأمني. ولهذا أُلحِق، شكلياً، بشعار «إنهاء الانقسام»، فيما بقيت قوات الاحتلال في مأمن من المواجهة مع تحويل التحرّك إلى اعتصامات تحت شعاريْ «إنهاء الانقسام»، و»إنهاء الاحتلال»، بعيداً من انتفاضة تواجه قوات الاحتلال وتحاصر المستوطنين.

 

باختصار، ليس أمام المصالحة لكي تنجح إلاّ أن ينتقل الوضع الفلسطيني كله لدعم انتفاضة شعبية في الضفة الغربية تواجه قوات الاحتلال والمستوطنين. فتضع الوضع الفلسطيني كله لدعم انتفاضة شعبية في الضفة الغربية تواجه قوات الاحتلال والمستوطنين. فتضع الوضع الفلسطيني كله، والوضع العربي والإسلامي كله، أمام استحقاق دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس من التهويد.

 

وبهذا توضع أمريكا والدول الكبرى كافة تحت فضيحة التواطؤ مع الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس بما يفرض إنهاء مسار ما يسمّى عملية التسوية، والبحث عن «حل الدولتين»، فيما راح الاستيطان يستشري في الضفة الغربية والقدس بلا رادع، وفيما راحت قوات الاحتلال تتحرك في الضفة الغربية بأمان واطمئنان، وفيما استمرّ حصار قطاع غزة مع فتح معبر رفح.

 

إن الدخول في معركة المواجهة في الضفة الغربية وقطاع عزة ضدّ الاحتلال والاستيطان والحصار، انتفاضة ومقاومة، سوف يربط التغيير الداخلي العربي المنشود، الذي افتتحته ثورتا مصر وتونس، بالقضية الفلسطينية، كما بقضية الخروج من التبعية، وبتكريس استراتيجية المقاومة والممانعة. ومن ثم تصبح أمريكا والكيان الصهيوني جزءاً من مشكلة التغيير، وليس خارجه، يتصيّدان في الماء العكر واللعب على التناقضات الداخلية.

 

وإنّ من لا يُدرك العلاقة بين التغيير الداخلي العربي ومناهضة سياسات أمريكا والكيان الصهيوني سوف يطيش سهمه أكان فلسطينياً حقق «المصالحة»، و»أنهى الانقسام» أم كان عربياً أسْقطَ استبداداً وفساداً.

 

ولهذا يجب أن تتجّه المصالحة نحو الانتفاضة.