الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:30 م

مقالات وآراء

لا أسف على أي حاكم عربي

حجم الخط

تزداد أعداد الناس الذين يظنون أن الثورات العربية عبارة عن مؤامرات، وتزداد أعداد الناس المدافعين عن الحكام أو الأنظمة في مواجهة المؤامرات التي يرون أنها قادمة من الغرب، وتزداد أيضا أعداد الناس الناقمين على الجزيرة على اعتبار أنها أداة المؤامرات الغربية في إسقاط الأنظمة العربية.

بداية أقول إنه لا أسف على أي نظام عربي، فجميعها تشترك بالتالي:

1- الاستبداد بالحكم، وحرمان غير الموالين من المشاركة. كل حاكم يظن أنه هبة الله لشعبه، ويملك تفويضا إلهيا بان يشاء دون مشيئة الآخرين. كل واحد منهم يجمع المنافقين والدجالين والنصابين حوله لتعزيز حكمه، وهو يعلم مسبقا أن لا خير له بأصحاب الكفاءة والمعرفة لأنه قد يكون فيهم الصدق والوفاء لأمتهم. ولا غرابة أن كل واحد منهم قد استباح الإقطاعية التي يحكمها لتصبح مرتعا وملعبا لأبنائه وأقاربه وأصدقائه المحظوظين، وخليلاته من الحسناوات الساقطات.

2- ذبح الحرية التي تعتبر أساس بناء الشخصية و التفكير الحر والإبداع. جميعهم يمنعون حرية التعبير، فلا حرية إعلام، ولا حرية ندوات أو محاضرات، ولا حرية إلا لمن نافق وكذب وتملس وتزلف وتحذلق.

3- سرقة أموال الشعب إلى درجة أن أغلب الحكام العرب من أصحاب المليارات، وأغلبهم لا نعرف عن أموالهم إلا من خلال الدول الغربية التي تفضحهم. كلهم لصوص إلا ربما من رئيس لبنان، ويعلفون العديد من اللصوص الصغار الذين هم من ذويهم أو من حواشيهم المقربة. أموال الشعوب العربية يتم نهبها واختلاسها، وتبقى ميزانيات الشعب الفقير تعاني من النقص والعجز، ومن الاختلاس والحرمنة.

4- تسليط الأجهزة الأمنية على الشعب بحيث لا أمن لمواطن عربي. المواطن العربي يعاني من عدم الأمن خوفا من المخابرات والاستخبارات والأمن المركزي وأمن الرئيس وأمن المؤسسات والشرطة والشرطة الجنائية وأمن الحارات وأمن التصنت على الشبابيك وأمن الجامعات وأمن المستشفى وأمن الزواريب وأمن الزوايا وأمن المجاري، ويخاف حتى من القوات المسلحة بفروعها البحرية والبرية والجوية والتحت أرضية. لا أمن لمواطن عربي على الرغم من أن كل نظام يشيد بإنجازاته الأمنية التي حققها للشعب. الإنسان العربي مرعوب ليس من القوى الخارجية وإنما من هؤلاء الطواغيت الجاثمين على الصدور.

5- إشاعة الفساد في كل ركن وزاوية في الدولة لكي يبقى سيدا على فاسدين لا أخلاقيين. الوساطات والمحسوبيات والرشوات والإكراميات والاختلاسات تنتشر في كل الإقطاعيات العربية، والناس منشغلون إلى حد كبير بأعمال لا تليق من أجل تسيير امورهم اليومية. الحاكم يعي تماما أنه لا يستطيع الاستمرار مع وجود شعوب تقوم على الفضيلة والأخلاق القويمة، ولا بد من إفسادها لكي يخلو له جو التسلط والطغيان والنهب والسلب.

6- كل الحكام العرب يملكون سجونا محصنة، وزنازين تحت الأرض، ويعتقلون المعارضين ويعذبونهم ويسومونهم سوء العذاب. يحظى الإنسان العربي بأعلى نسبة في العالم من قضاء أيام في الظلام وتحت الأرض، ويحظى بأعلى نسبة من "الفلقات" (الضرب على بطن القدم)، وأعلى نسبة من علامات السياط على الظهور والبطون، وأعلى نسبة ساعات شبح في أقبية المخابرات. لا يوجد نظام عربي محترم ويحترم شعبه، وكل الأنظمة تقيم مؤسسات ضخمة للقمع والتعذيب والقهر. وقد اشتهرت في بلادنا سجون عظيمة ترفع رأس الأمة العربية مثل سجون الجفر والمزة وأبو غريب وأبو زعبل وجنيد.

7- الجيوش عبارة عن جيوش استعراض وليس جيوش قتال على الرغم من أن العرب من أكثر الدول إنفاقا على التسلح. فقط نرى الجيوش في مواجهة الشعب، أو في مواجهة دولة عربية لأخرى، أو ربما لمواجهة إيران وربما تركيا وتشاد، ولمواجهة المقاومة العربية والإسلامية. هي ليست جيوشا لمواجهة إسرائيل أو أمريكا اللتين تغزوان بلدانا عربية. تستأسد الجيوش على الشعوب، ولكنها تتأرنب أمام العدو.

8- إفساد الناس وتمزيقهم ليكون المسلم ضد المسيحي، والكردي ضد العربي، والسني ضد الشيعي، والأمازيغي ضد العربي، والشمالي ضد الجنوبي، والأردني ضد الفلسطيني، والسوري ضد اللبناني، والجزائري ضد المغربي، وهكذا. هؤلاء حكام لا ينعمون براحة إذا كان الشعب موحدا.

9- الإصرار على التخلف في مختلف المجالات بخاصة في المجال التعليمي والتفكير. شعب يفقه لا يفيد حاكما مستبدا، ولهذا كان يجب أن يبقى النظام التعليمي والتربوي تلقينيا ينمي البلادة والاستتياس، ويثبط الإبداع والمبادرة وبناء الشخصية, هذا فضلا عن التخلف الاجتماعي الذي يصر على التركيب القبلي للدولة، والذي هو تركيب عنصري يلغي الفرد ويحرض على التفرقة والتمزق. وأما عن النخلف الاقتصادي فحدث ولا حرج بخاصة أن أموال الأمة يتم نهبها بدل تطوير الموارد وإقامة المشاريع الإنتاجية.

والقائمة تطول.

أين هو الحاكم الوطني

لا يستطيع حاكم عربي أن يدعي الوطنية لأن من يقوم بكل هذه الأعمال المشار إليها أعلاه لا يمكن أن يكون وطنيا، بل هو خائن حتى الثمالة. إن من يقمع شعبه، ويحرم الناس من حرياتهم، ويسلب الأموال، ويفسد الناس، ويشيع الظلم والهزيمة والنفاق والدجل لا يمكن أن يكون وطنيا وملتزما بقضايا الشعب والأمة حتى لو قصفنا صباح مساء بكل الخطابات الوطنية الرنانة, من يفعل ذلك إنما يصر على حالة التخلف، ويحول شعبه إلى أدوات ومطايا، بل إلى عبيد. ومن يحول شعبه الذي يجب أن يكون سنده إلى عبيد لا يمكن أن يكون حرا، أو قادرا على تحرير.

فلسطين لا يحررها من يستعبدون شعوبهم، ولا العراق ولا الثروات العربية في الخليج.

جنون الحكام ومواليهم

كان زبانية النظام التونسي معنيين بداية أن يقولوا إن مؤامرة خارجية تحاك ضد تونس، وغالبا كانت المؤامرة قادمة من فرنسا. ثم أتى زبانية النظام المصري البائد ليقولوا إن أيد خارجية تعبث بمصر، والمقصود كان إيران وأعوان إيران. وكانت النسبة الأكبر من أبناء الأمة تهتف للشعبين المصري والتونسي، وحازت الجزيرة على تصفيق حاد وتشجيع واستحسان. لكن أعداد أصحاب المؤامرة أخذت تتزايد مع انتقال الحركات الشعبية العربية من قطر إلى آخر. كل حاكم عربي له مؤيدوه، وهم ينبرون للدفاع عنه.

المدافع عن أي نظام عربي خاسر، والأفضل لمن يظن خيرا بحاكم عربي أن يصمت بدل أن يدافع عنه. الأمة العربية تمر بمرحلة تاريخية جديدة، ولا مفر، سيطال التغيير كل الأنظمة العربية. والأفضل أن يغير الحاكم العربي ما هو فيه وعليه من تلقاء نفسه بدل مواجهة الناس بالحديد والنار.

ربما يظن حكام الخليج أنهم ليسوا من الأنظمة العربية، وأنهم ينهمكون في البحث عن حلول لدول عربية تنطلق فيها حركات شعبية. لا، هم ليسوا أفضل من غيرهم، بل أكثر نهبا لثروات الأمة من غيرهم، وأكثر إذعانا للإرادة الأمريكية، والتغيير سيصلهم ولو بعد حين. هذا منطق تاريخ، ولا يعرف قبائل أو ملوكا أو أمراء، وهو يسحق من يقف في طريقه.

ولهذا من الأفضل أن يخوض مثقفو الأمة المعركة بإباء وشمم، بدل الاختباء في انتظار ما ستؤول إليه الأمور، أو الوقوف إلى جانب حكام سيتهاوون.

التدخل الغربي

أهل الغرب لهم مصالح، وهم يفكرون باستمرار بالوسائل والأساليب التي يمكن اتباعها من أجل المحافظة على مصالحهم. حكامنا المتهاوون لم يحصنوا دولهم أو شعوبهم من النفوذ الأحنبي، وتركوا الأجانب يعبثون بشؤون الأمة. فهل يجبرنا هذا التدخل على دعم الحكام في مواجهة الغرب؟

نحن أمام مهمة مزدوجة وهي التحريض ضد الأنظمة والتحريض ضد التدخل الغربي. لا نريد هذا ولا ذاك، وليكف اهل الغرب شرهم عنا إن هم كانوا حريصين على حرياتنا، وأن يخرجوا من شؤوننا. ولهذا مطلوب من الإخوة الليبيين أن يبحثوا عن مصادر أخرى للدعم في مواجهة حاكمهم، وألا يبقون على أبوابهم مفتوحة أما التدخل الغربي والذي لا يخدم في النهاية إلا مصالح أهل الغرب. نحن لا نريد الخروج من استبداد ظلامي إلى استعمار جديد بثوب الحرص على الشعوب.