الثلاثاء 10 فبراير 2026 الساعة 06:49 ص

مقالات وآراء

أعمى طبيب العيون!!

حجم الخط

صرخت من أعماق قلبها، وغطى صراخها الآفاق، وزاد ضجيج صدى صرخاتها، فهب إليها من في البيت منجداً، مستغرباً هذا الصراخ، وسأل الجميع بصوت واحد ما بك تدمر؟؟ هل حان موعد الميلاد؟ هل هذا هو المخاض؟ هل هذه بشائره؟ لم تكمل الإجابة وسبقت يدها لسانها، فأغلقت فمها وصرخت، ولكن شدة الألم وذبذبات الصوت جعلت يدها تتردد على فمها فعلا الصوت أكبر، فأمسك الجميع بها، وساروا ببطءٍ شديد وهم فرحون وهي تصرخ، ويرددون "هوني عليك الفرج قريب".

 

كادت عيناها تخرج من وجهها من فرط الألم، وعقلها لم يعد يستوعب ما يدور حولها، وبوجهها الواجم طرحت ألف سؤال وسؤال، كيف يضحكون وأنا أموت في كل لحظة؟؟!!، والدماء من حولي لا حدود لها وفي كل خطوة أشعر بالموت يدنو مني، وهم يضحكون وكأن فرحاً قادماً، أشعر بالموت ويشعرون بالفرح، وسألت رغم الألم إلى أين تسوقونني ؟، ما بكم أراكم وكأنكم على موعد، وهل في الدم والموت ما يبشر ويجعلكم إلى هذا الحد سعداء؟..

 

علت ضحكاتهم ساخرة من حزني وسؤالي، قالوا لا تخافي فأنت على موعد مع الخير، فصرخت وأي خير هذا الذي تتحدثون عنه, أمسكوني من يدي، حمّلوني في سيارة الإسعاف، قادوني إلى المستشفى ألبسوني الثوب الأخضر، التف حولي ناس أخفوا وجوههم، وحركاتهم تتسارع، كل واحد أمسك بطرف من جسدي، القوا بجسدي على أريكة، أشعلوا الأضواء، وضعوا على فمي شيئاً لم أتعرف عليه لأنني غبت بعدها عن الوعي، ولا أعرف أين كنت وما الذي جرى، صحوت من نومي، فما وجدت ذلك الألم، ولكنني لم أتمكن من الحراك، نظرت بطرف العين فإذا بطفلتي بجواري، ضحكت بعد الألم، آه ، بنية انتظرتك طويلا، كنت أعتقد أن حملي حمل وهمي، وأن مخاضي لن يؤتي أطفالاً بل وهما بلا حدود، وإذا بحملي حقيقي وها هي طفلتي بجواري.

 

ابتسمت، حاولت التحرك، مددت يدي علي أمسك بها، تألمت فرددت يدي سريعا، حاولت أن أصرخ عل أحداً يسمعني، فيساعدني على حمل طفلتي، فإذا بها تصرخ، وعلى صراخها جاء الحضور مسرعين، حملوها وهدهدوها ، نظروا نحوي فأشرت لهم قربوها، إني انتظرت طويلا كي أرى هذا اليوم، حتى أحمل بين يدي طفلتي، فهموا ما همست به، جاؤوا بها قربوها شعرت بجسدي يهتز وشيء ما يسري في جسدي، وأخذ قلبي يدق متسارعاً، هز أركاني، وحرك وجداني، حاولت أن أنهض عن سريري لكنني سقطت، ثم حاولت، فنهضت قليلا حتى تمكنت الإمساك بها...

 

ارتجفت يداي، وعيناي لم تتوقف عن ذرف الدموع، أخذت أتلمسها بأناملي، تحسستها، ارتجفت يداي، وانقبض قلبي، وسألت ما هذا، قالوا ما بك، قلت انظروا، سألوا فيما يكون النظر، في عينيها، ما بها وما بك، أشياء غريبة، وأعماق بعيدة، أفق مفتوح على أحداث جسام، وساحات مفتوحة اختلط فيها البياض مع السواد، ولكن، وماذا ولكن، أشياء غريبة ألم تروها، بلا رأيناها، شاهدناها، وعرضناها على طبيب العيون، ماذا قال الطبيب، فال إنه لم يرى فيها ما يدعو إلى القلق، هذا أمر طارئ، لا علاقة له بما تقولون، الأيام كفيلة أن تزيله وتعود العيون.

 

أي طبيب هذا الذي تقولون، أطبيب عيون، هل أنتم مقتنعون، دعوني أراه، أتحدث معه، علي أحاول أن أقنعه، وأزيل عنه الغشاوة، فالأمر جد خطير، فالعيون تقول إن هذا الطبيب أعمى، لأن من لا يرى ما نراه هو أعمى، والعمى ليس بالضرورة فقدان البصر، عمى الطبيب لا علاج له، ونهايته لن تطول، لأن من لا يرى ببصيرته لن يرى ببصره، ضحك الجميع ونظروا حولهم، وقالوا أعمى طبيب العيون!!.