السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 11:28 م

مقالات وآراء

الشروط السيكولوجية للتحرر

حجم الخط

يعيش الشعب الفلسطيني اليوم في وسط سيكولوجي خاص في طريقه للتحرر ولكن هناك شروط للتحرر ويشكل قطبا (اليأس) و(الأمل) المآخذ الاجتماعية للحركة كما هي في الكهرباء بين الموجب والسالب.

 

يا ترى ماهي أفضل شروط الجري والهرب لإنسان تطارده مجموعة تريد إلقاء القبض عليه؟ إنها الحركة بين قطبين نفسيين (اليأس) من جهة و(الأمل) مقابلها، وهي التي اعتبرها القرآن محطات نفسية للكفر: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون).

 

إذا أحس المطارَد (بالفتح) أنه بمنجاة من قبضة من يطارده دخل الطيف النفسي (الأمن) فتوقف عن الركض ، وإذا أطبق عليه شعور (اليأس) من جدوى الهرولة توقف أيضاً عن السعي، وفي هذه المسافة بالضبط بين اليأس والأمن تكون الحركة في أفضل صورها، فكلما انفك عن (القنوط) باتجاه (الأمل) بدون أن يصله تدفعه إلى التحرك في أفضل ظروفه، وكلما اقترب من أحد القطبين خفت الحركة، حتى إذا دخل حقل القطب المعنى، سواء في اليأس أو الأمن، توقفت الحركة كليةً، فالسباحة (نفسياً) بين اليأس والأمن هي أفضل شروط توتر ويقظة الروح.

 

وكما اعتبر القرآن (القنوط) مشعراً غير صحي للنفس في رحلةٍ باتجاه (الضلال) على نسبتها (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) فهو بالمقابل اعتبر أن الشعور بالأمن الكلي والارتخاء أيضاً مضر بالنفس في رحلةٍ باتجاه قطب الخسارة (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).

 

هذا القانون ينطبق على لص تطارده الشرطة، وجماعة تمارس نشاطاً إصلاحياً، وحاكم يدير مؤسسة الدولة. أو معاناة الشعب الفلسطيني الحالية بين الخوف من فرعون والأمل بالنجاة.

 

والقلب يعمل في أحسن شروطه في التردد بين الانبساط والتقلص، ويعمل الشريان كأنبوب ممتاز بفعل توازن ضغط الدم داخله، فإذا تغير الضغط تغير الجدار ليشكل أم الدم (الانورزما ANEURYSMA) المهددة بالانفجار الصاعق القاتل كما حصل مع الفيزيائي الشهير (آينشتاين EINSTEIN).

 

والتيار الكهربي يتدفق في تردد الالكترونات بين القطب السالب والموجب، وترى الحكمة الصينية أن الوجود يقوم على الفعل والانفعال (الين واليانج) ويعتمد القانون الثالث في الديناميكا لنيوتن على الفعل ورد الفعل الذي يساويه في القوة ويعاكسه في الاتجاه، وتقوم الفلسفة الهيجلية على تناقض الأضداد، ويرى القرآن الكون يقوم على قاعدة الزوجية في كل شيء (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) ومفاصل جسمنا في وضعها التشريحي في أحسن أحوالها بين الانبساط والانثناء، وأفضل وضع لعضلاتنا عندما تكون في حالة توتر لطيف.

وتمرض الجماعة سياسياً عندما تنزلق باتجاه أحد قطبي (الاستضعاف) و(الاستكبار) سواء في داخلها بين الأفراد، أو في علاقات القوة بين الدولة القمعية والفرد، أو بين الدولة القوية والضعيفة، والضعف في حقيقته هو تقبل حقنة الاستضعاف (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين).

 

ولم يبنِ اليهود دولتهم الحالية لولا معاناتهم الطويلة، ولم يتسربوا إلى أجهزة الاقتصاد والإعلام والسينما لولا الحنكة والدهاء والتنظيم، وخلف كل هذا الحذر الشديد، من مخلفات منعكسات شرطية جماعية، شكلها تاريخ طويل من عذاب المعاناة، تمتد إلى أيام هدم المعبد على يد (تيطس TITIUS) القائد الروماني عام 70 م. وهذا القانون يدخل في معمعته الشعب الفلسطيني حالياً.

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون