أرسل لي الأخ ياسين من المدينة الجديدة على حافة الأطلنطي من المغرب، أنه اطلع على كتاب حرب أميركا السرية، للكاتب الأميركي جورج فريدمان، وهو صنو الآخر توماس الصهيوني، يزعم فيها أن أميركا سوف تصمد، وسوف تنمو، وسوف تحكم العالم، وأنها تنتج أكثر من كل العالم، وأنها مسلحة إلى حد الأسنان والأظافر، وأن على الناس أن تخاف من هذا الديناصور اللاحم، وأن العرب يلعبون ولا مستقبل لهم، إلى آخر الترهات التي نسمعها من فوكوياما بأن التاريخ يقف عند أميركا، وهم أي هؤلاء السياسيون الكذابون لا يستحقون أن يكونوا تلامذة عند علماء التاريخ والفلسفة الاجتماعية.
وهذا الكلام لا يقوى على الصمود في أي علم سواء البيولوجيا أو الفيزياء أو التاريخ أو الطبيعة، فالغصن يذبل، والعنصر يتحلل، والماء يتبخر، والجسم يذوي ويموت، والحضارات تنتهي وتسقط، والدول تتفكك، كان ذلك في الكتاب مسطورا..
إن علو من يعلو وصمود من يصمد هو من قوة قانون التاريخ، وفي القرآن أن المستكبرين يضلون عن طريق الحق فيهلكون..
ويروي توينبي الحجة في علم التاريخ عن دولة آشور أنها ماتت في درعها, وعندما هوت هذه الجثة إلى الأرض لم يرحمها جيرانها, بل مزقوا جثتها إرباً, لأنهم لم يصدقوا أن تسقط تلك الدولة الرهيبة التي حكمت معظم الشرق الأوسط ومصر وهي في زهوة القوة, فدولة آشور كانت تتفقد آلتها الحربية باستمرار وتطورها بإحكام.
وعندما دفنت جثة الدولة الآشورية في مقبرة التاريخ, لم يعد يتذكر أحد, أنه كانت في العراق الشمالي في عاصمتها نينوى (مدينة الموصل العراقية الحالية) دولة ذات ذراع بطاشة طويلة دفنت معظم شعوب الشرق الأوسط تحت الثرى, وسوت مدنه بالأرض في حملات عسكرية جهنمية إلى درجة أن بعثة عسكرية يونانية مرت بعد قرنين في المنطقة وخلدتها بلوحة أدبية دون أية إشارة إلى طبيعة واسم الشعب الذي عاش في هذه المنطقة.
جاء في كتاب مختصر دراسة التاريخ للمؤرخ البريطاني جون آرنولد توينبي: وإذا تطلعنا إلى الوراء عبر فترة القرن ونصفه التي اتسمت باشتداد حدة الحرب والتي بدأت بتسلم تيجلات بيليسير العرش عام 745 قبل الميلاد وانتهت بانتصار نبوخذ نصر على الفرعون نخاو في موقعة كركميش عام 605 قبل الميلاد نجد أن الأحداث التاريخية التي تبرز لدى النظرة الأولى هي الضربات القاضية المتتابعة التي دمرت آشور جماعات بأسرها وسوت مدنها بالأرض وحملت إلى الأسر سكاناً بأجمعهم: دمشق عام 732 وسامرا عام 722 وموساسير 714 وبابل عام 689 وصيدا عام 677 وممفيس عام 471 وطيبة عام 663 وسوسا عام 639 ولم يسلم من عدوان الآشوريين إلى أن خربت نينوى نفسها عام 612 قبل الميلاد سوى صور والقدس من جميع كبرى مدن الدول التي بلغتها جميعها الذراع الآشورية.
وإن البؤس والدمار اللذين ابتلت بهما آشور جيرانها فوق ما يتصور.. وإذا كان جميع ضحايا آشور الذين ذكرتهم هذه السجلات قد كافحوا ليعودوا إلى الحياة وينتظر بعضهم مستقبلا عظيما ; لكن نينوى سقطت ميتة ولم تبعث قط.
كان موت آشور عجيباً لأن اسمها عُرف فقط من خلال البعثات الأثرية الحديثة التي كَشَفت عن حضارةٍ قامت بكل جبروت ثم انهارت ومُزِّقت كل ممزق وجُعلت أحاديث, كما جاء في منام (نبوخذ نصر) الذي عبَّره له النبي (دانيال) من الأنبياء العبرانيين.
ويزداد القارئ تعجبا من وصف اكزنوفون XNOPHONلما شاهده, والقارئ على علم بمصائر آشور عن طريق استكشافات علماء الآثار المحدثين لحقيقة مدارها أن اكسنوفون كان يجهل كل شيء يتصل بحصون المدن المهجورة هذه.
وعلى الرغم من أن جنوب غرب آسيا بأسرها: من أورشليم إلى أرارات, ومن عيلام إلى ليديا, قد خضع لسادة هذه المدن وكان يرهبهم, وذلك قبل أن يمر اكسنوفون بهذا الطريق بمدة تقل عن القرنين, فلقد كان خير ما ذكره عنها لا يتصل بتاريخها الحقيقي, ولم يكن اسم آشور نفسه معروفا لديه.
إن كهنة الأطلنطي وسحرة أميركا يرون التاريخ مثل الأحول الذي يرى أنفه أليس كذلك؟
