الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:28 م

مقالات وآراء

في سوريا «مندسون» يطلقون الرصاص أمام الكاميرات!!

حجم الخط

تتفاوت الأنظمة في سبل مواجهتها لمطالب الإصلاح، لكنها عموما تتفق على أمر واحد هو رفض الخضوع لإرادة الناس وأحلامهم بالتغيير والإصلاح ومحاربة الفساد ما وجدت إلى ذلك سبيلا، وإن فكرت في الإصلاح فلن تغادر على الأرجح مربع الإصلاحات الشكلية التي لا تأكل سوى النزر اليسير من صلاحيات نخبها الحاكمة.

 

المشكلة تتبدى أكثر حين تكون مطالب الناس محصورة في الإصلاح ولا تتجاوزها إلى مطلب التغيير الجذري. هنا يكون السلوك المتطرف من طرف النظام مشكلة كبيرة، لاسيما حين يتجاوز أكثر الأعراف في مواجهته اليومية مع الناس.

 

في سوريا، رأينا كيف واجه النظام حراك الشارع بعدة وسائل كان أبرزها إطلاق الرصاص على المتظاهرين، وقد سقط حتى الآن مئات القتلى والجرحى، كما واجهها بالمظاهرات المقابلة التي ترفع صور الرئيس وتهتف باسمه، وهذه ليست صعبة التنظيم في واقع الحال، لاسيما حين تتركز على مسيرات السيارات التي يقوم بها من يعرفون بالـ»الشبيحة» الذين يغلق عدد صغير منهم شارعا رئيسا ويأخذون في الهتاف للرئيس.

 

الآن يبدو أن النظام، وربما جهات داخله، وفي معرض التصدي لغضبة الجماهير يسعى إلى تحويل الانتفاضة إلى حركة مسلحة كما فعل القذافي، وإن على نحو مختلف، إذ يعتقد أن نجاحه في مسار كهذا سيؤدي إلى إجهاض التحرك الشعبي الذي يستمد قوته من الاحتجاج السلمي الذي يواجه الرصاص بالهتاف والصدور العارية.

 

المصيبة أن هذه الإرادة من طرف النظام تبدو مفضوحة إلى حد كبير، إذ كيف يجري تصوير مسلحين وهم يطلقون النار على المتظاهرين في بلد تتفوق فيه الأجهزة الأمنية على نحو مميز؟!

 

من أين حصل أولئك «المندسون» على السلاح وكيف وجهوه لصدور الناس، بل وجهوه أيضا لرجال الشرطة والأمن من دون أن يُلقى القبض عليهم؟ هل تبدو هذه الرواية مقنعة، لاسيما حين يقال إنهم أوقعوا بضع مئات من الجرحى والقتلى في صفوف الأمن؟!

 

في هذه الحال سيتحول حديث النظام من مواجهة المظاهرات السلمية التي يسميها مشروعة، بل ويمدحها في بعض الأحيان إلى مواجهة شكل من أشكال التمرد المسلح، الأمر الذي يقال إنه سيُواجه بالحزم الكامل، وسيكون من السهل بعد ذلك اعتقال المئات من الناس وربما الآلاف في سياق من مواجهة الإرهاب والإرهابيين، فضلا عن اختلاط الحابل بالنابل وصولا إلى تحميل وزر الجرائم إلى طرف مجهول، بما في ذلك اغتيال بعض المعارضين للنظام والمنخرطين في العمل الشعبي.

 

الأكيد أننا إزاء توجه خطير، بل بالغ الخطورة، حتى لو كان أكثر جدوى في مواجهة الاحتجاج الشعبي من زاوية نظر النظام، لاسيما أن ضحاياه سيكونون بلا عدد. وليس من المستبعد أن تقوم الأجهزة الأمنية باستدراج مجموعات من السلفيين الجهاديين عبر اختراقات معروفة نحو حمل السلاح في مواجهة النظام والقيام باغتيالات من أجل تفعيل قانون مكافحة الإرهاب لاحقا في حال أوقف العمل بقانون الطواريء، مع أن ذلك قد يؤجل بدعوى مواجهة موجة الإرهاب الجديدة.

 

من الأفضل بالطبع أن يقوم النظام بخطوات أخرى لمواجهة الاحتجاجات، أعني خطوات إصلاحية من النمط المقبول والمعقول، وفي مقدمتها إلغاء قانون الطواريء وشطب المادة رقم 8 من الدستور التي تنص على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، إضافة إلى قانون جديد للإعلام وللأحزاب ومواجهة حقيقية للفساد، مع إجراءات أخرى تقيد الأمن في تعاطيه مع المواطنين، فضلا عن الإفراج عن المعتقلين السياسيين والسماح للمنفيين بالعودة من دون محاكمة.

 

من المهم في هذا السياق عدم انجرار البعض إلى اللغة الطائفية في التعاطي مع الانتفاضة الشعبية، ذلك أن ما يجري في سوريا لا صلة له بالطائفية، وإنما بطقوس النخب الحاكمة في العالم العربي حين تواجه تمردا شعبيا، بل إن اللجوء إلى هذه اللغة سيضر بانتفاضة الناس ومطالبهم المشروعة في الحرية والعدالة ورفض الفساد، بل ورفض التمييز على أي أساس كان.

 

بوسع النظام السوري أن يقود عربة الإصلاح، لكن استمرار التعنت مع الميل إلى عسكرة الانتفاضة الشعبية بطرق أمنية يعرفها الناس ويدركون طبيعتها، هذا الأمر سيؤدي إلى تصاعد مطالب الناس وليس وأدها. ولا شك أن اتفاق أكثر الناس مع النظام في ملف السياسة الخارجية والمواجهة مع المشروع الصهيوني، سيؤدي إلى تسهيل مهمة الإصلاح إذا صدقت النوايا.

 

حريصون على سوريا ودورها في محور المقاومة والممانعة، لكن حرصنا لا يقل بحال على مطالب الناس المشروعة في الحرية والعدالة والعيش الكريم.