الإثنين 29 ديسمبر 2025 الساعة 05:55 م

مقالات وآراء

رياض الأشقر

مدير الدائرة الإعلامية بوزارة الأسرى والمحررين
عدد مقالات الكاتب [49 ]

عباس السيد وصراع الإرادات

حجم الخط

أنهى الأسير عباس السيد إضرابه عن الطعام بعد أن خاضه  صامدا شامخاً وصابراً ، لمدة 23 يوماً متتالية ، بعدما وافقت إدارة سجون الاحتلال  بأعلى مستوى رسمي فيها على الاستجابة لغالبية مطالبه والمتمثلة في رفع جميع العقوبات التي فُرضت عليه بشكل تراكمي، وإعادته إلى سجن رامون وبحث كل التجاوزات والانتهاكات القانونية التي مارسها مدير السجن بحقه، كما تمت الموافقة على إكمال دراسته  في عزل رامون وهو أمر كان مستحيلا قبل الإضراب، والسماح بزيارة ابنه عبد الله الذي كان ممنوعا من الزيارة في السابق ، وتخفيف إجراءات العزل التي كانت سارية عارية سابقاً .

 

لقد انتصر الأسير السيد في صراع الإرادات مع الاحتلال، وفى لعبة عض الأصابع ، حيث راهن الاحتلال على تراجع الأسير عن إضرابه بعد عدة أيام دون أن يحقق أهدافه التي اضرب من أجلها ، ومن اجل ذلك مارست مصلحة السجون عليه حرباً نفسية وجسديه شرسة، فاقتحمت زنزانته الانفرادية وصادرت كل ممتلكاته وأغراضه، ونقلته إلى المستشفى بعد تدهور صحته لكي يفك إضرابه هناك، منعت عنه كل وسائل الاتصال بالعالم، إلا أن الأسير كان أقوى من جبروت الاحتلال وإجراءاته القمعية، واستطاع بصبره وجهاده وعزيمته القوية أن يهزم قادة الاحتلال، وان يجبرهم على التراجع عن مواقفهم ، والموافقة على مطالبة الإنسانية العادلة، ليعلن بذلك انتصار الكف على المخرز، انتصار الضعيف على القوى ، انتصار الحق على الباطل ، ليصنع بصموده الأسطوري ملامح  مرحلة جديدة من الصراع ما بين الأسير الأعزل إلا من كرامته وإرادته، والسجان المدجج بكل أنواع الأسلحة، إضافة إلى الحقد الذي يملئ صدره على ذلك الأسير، لأنه أذاق الاحتلال بجهاده مرارة الهزيمة ، وجعله يعرف طعم الرعب والخوف.

 

وما أشبه اليوم بالبارحة .. فليس من باب المصادفة أن يصمد عباس السيد  23 يوماً ، ليرد الاحتلال على أعقابه خائباً، كما صمدت غزة نفس عدد الأيام ال23 خلال حرب الفرقان، التي تعرضت خلالها لتدمير ممنهج طال الحجر والشجر، واستخدم فيها الاحتلال كل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً ، ورغ ذلك عاد الاحتلال إدراجه خائباً لم يحقق أهدافه، فلم يستعيد شاليط، أو يقضى على حماس وحكومتها، ولم يستطيع تحقيق توازن الردع الذي أراد فصواريخ المقاومة استمرت حتى اللحظة الأخيرة، والى الآن لا زالت المقاومة تمطر المستوطنات والمدن الإسرائيلية بالصواريخ رداً على العدوان .

 

 انه صراع الإرادات الذي ينتصر فيه الفلسطيني في النهاية رغم قلة عدده وعتاده، سواء كان داخل السجون أو خارجها، لأنه صاحب الحق، ويسعى لاستعاده حقه ولو كلفه ذلك التضحية بالغالي والنفيس، وهذا ما يميز أصحاب المبادئ، عن الباحثين عن الجاه والسلطان ، فهؤلاء نفسُهم قصير ، ولا يستطيعون الصمود في المواجهة، ويفرون إذا حمس الوطيس .

 

وهكذا هم أسرانا .. ما عباس السيد إلا نموذج لسبعة ألاف أسير فلسطيني، يحيون كصخور تتحطم عليها آمال ومخططات الاحتلال، ومنهم نستلهم معاني الصبر والتحدي .. ولكن رغم ذلك فهم يحتاجون منا لكل أشكال الدعم والمؤازرة والتضامن فهذا اقل الواجب الذي نقدمه لهم .