في صيف عام 1839م فوجئ أهل كابول بدخول القوات البريطانية إلى عاصمتهم ومعهم الشاه سوجا المخلوع سابقا قبل 25 سنة؟
وهو يذكر بقصة القرد والغيلم الذي هرب من قومه بعد خلعه على يد قرد شاب فالتجأ إلى شجرة وصادق غيلما وهو زوج السلحفاة فغدر به وكاد أن يموت من جديد لولا التجربة والخبرة.
هرب الشاه دوست حاكم كابول ونصب الإنجليز مكانه الشاه سوجا، ومشى الأخير بقبعة من ريش نعام وملابس زاهية الألوان، متبخترا مثل الطاووس أمام أهل كابول المتضايقين.
كانت فكرة غزو أفغانستان من وحي أفكار اللورد أوكلاند ووليام مك ناتن السكرتير الأول في حكومة كلكتا، فقد أحسوا بخطر التمدد الروسي في المنطقة فقالوا نتغدى بهم قبل أن يتعشوا بنا؟ بعد قليل من المكث في كابول استقدم البريطانيون أهاليهم وبدؤوا يحتسون العرق والنبيذ علنا ويصخبون ويتكلمون بصوت عال، وأهل كابول يتأملونهم مذهولين ويقولون ماذا يفعل هؤلاء ومتى سيغادرون؟
وطابت لهم القعدة في كابول بعد أن شعروا أن الشاه سوجا لا سند له في حكم البلاد؟. ولكن الشيء الوحيد أمام الاستيطان هو النفقات فبدأ مك ناتن الذي عين حاكما لأهل أفغانستان بضغط النفقات مما حرض أهل القبائل على التمرد.
كانت الممرات الجبلية تحت سيطرة قبائل الغلزي القوية فحاول مك ناتن رشوتهم، ولكن التفاوض قاد إلى كارثة حيث أمسك زعيم قبيلة الغلزي أكبر خان بقائد الحملة مك ناتن وأثناء نقله وقع في يد الغاضبين فقطعوه ثم علقوا جذعه على سفود، هنا تعثرت محاولات الخروج من الأزمة الضارية، ولم تستطع الحملة من الانسحاب في ظل شتاء قاس وجبال من الثلوج.
وهكذا وفي عام 1841 وبعد أقل من ثلاث سنوات، كان الجنود وعددهم 4500 عسكري معهم 12000 من أهاليهم الملتحقين بهم في طريقهم في رحلة الموت رجوعا إلى الهند.
ويقول روبرت غرين في كتابه 33 استراتيجية للحرب إن كامل الحملة هلكت بكل من فيها، مذكرا بكارثة القائد الروماني فاروس في أرض الراين، فلم يرجع أحد من حملة الـ 12 ألف جندي وأضعافه من التابعين في سلسلة ذرعها كيلومترات فقد قتلتهم عصابات الجرمان. هنا من قام بالمذبحة بالتعاون مع الجنرال ثلج كانت قبائل الغلزي.
وهو ما حدث في كارثة حملة نابليون أيضا على روسيا؛ فلم يرجع من نصف مليون جندي سوى 25 ألفا، أي 5% من جنود الحملة، ومعهم خيرة الشباب الفرنساوي وهو من أسرار هزيمة واترلو.
ومنذ فترة قريبة كشف عن مقبرة هائلة للجنود الشباب في دولة لاتفيا من دول البلطيق حين ماتوا في رحلة العودة في مقابر جماعية وبذلك هلك الجراند آرمي (Grand Atmee) الجيش العظيم الذي كان يعتمد عليه نابليون في الملمات.
أما حملة اللورد أوكلاند ومك ناتن فقد أبيدت عن بكرة أبيها، ولم يرجع من مخبر سوى الطبيب ويليام برايدون في 13 ديسمبر من عام 1841م نصف ميت على ظهر فرس أعجف أعرج..
ومنه اشتهر المثل أن أفغانستان مقبرة الغزاة، فقد تخلصت من الدب الروسي لاحقا أيضا في تسعينات القرن العشرين، غير حملة أوكلاند ـ مك نايتن عام 1841م؟ والدور الآن على قرظاي وأمريكا؟
إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين.. وإن ربك لهو العزيز الرحيم
