الإثنين 02 فبراير 2026 الساعة 06:12 م

مقالات وآراء

جائزة نوبل للسلام مكافأة اغتصاب فلسطين

حجم الخط

هناك ما يقطع بأن العالم مدرك لمرامي المشروع الصهيوني المعلَنة وهي اغتصاب فلسطين، ولذلك فإن انخراطه في مسرحية السلام حتى يغطي على تقدُّم المشروع هو محاولة للتلبيس على الجانب العربي أو هو بالاتفاق مع الجانب العربي، المهم أن الجميع؛ أجانب وعربًا، يُجمع على فهم اللعبة، وأن فلسطين هي الضحية، وأن المنطقة العربية رهن المشيئة الغربية من خلال حكامها، ولهذا السبب فإن الثورة العربية سوف تغير هذه المعادلة.

 

أما الجانب الأخطر فهو أن جائزة نوبل للسلام قد أسهمت في اغتصاب فلسطين، فإذا كان الجميع يعلم بهذه المؤامرة فإن منح جائزة نوبل للسلام رغم هذا يُعدُّ مكافأة لكلِّ الذين أسهموا في اغتصاب فلسطين، ولم يشذ عن هذه القاعدة أحد، كما أن جائزة نوبل للسلام ارتبطت بشبهات كثيرة مُنحت في النادر من الأحوال إلى مَن يستحقها، ولكنها مُنحت في الأغلب الأعم لِمَن ترضى عنهم الدوائر الصهيونية.

 

وقد بدأ هذا التقليد منذ بدايات المأساة في فلسطين؛ حيث مُنح المبعوث الدولي الأمريكي رالف بانش جائزة نوبل للسلام، وهو ما رسم معنى السلام الذي يكافئ مَن يسعى إليه في مفهوم هذه الجائزة، ذلك أن رالف بانش خلف الكونت برنادوت الذي اغتالته العصابات الصهيونية في فندق الملك داود في القدس، لأنه صاحب تقرير منصف، فسار رالف بانش في الخط المطلوب دوليًّا وصهيونيًّا، فاستحق هذه الجائزة في هذا الوقت المبكر.

 

ثم توالت جائزة نوبل للسلام وانهمرت على كل الذين أبلَوْا بلاءً حسنًا، أو انْتَوَوْا ذلك، مثل الجائزة التي مُنحت للرئيس أوباما لأنه كان ينوي إحياء عملية السلام في فلسطين بمعنى المساعدة على تمدد المشروع الصهيوني.

 

مُنحت الجائزة أيضًا لعرفات ورابين بسبب جهودهما في توقيع اتفاق أوسلو، وهو واحدة من أهم محطات المشروع، والذي أدَّى تمامًا إلى ما خطط له الصهاينة، وهو إما تطويع عرفات لكي يعزف اللحن الصهيوني أو التراجع صوب الوطن الفلسطيني، فاختار المناورة لكسب الوقت دون أن يفرط في المقاومة، فوجب تصفيته وإيجاد البديل الجاهز المخطط له دور ينتهي بنهايته، فقد اغتيل عرفات ورابين، لأن الأول لم يحدد خياره الصهيوني، واغتيل الثاني لأن عمله لم يقدر تقديرًا صحيحًا عند قاتليه، وسوف يكتب التاريخ أن قتل رابين كان تعبيرًا عن سوء الفهم وفساد التقدير. كذلك مُنح السادات وبيجن جائزة نوبل للسلام؛ بسبب اتفاق السلام بين مصر والصهاينة.

 

ولما كان هذا الاتفاق الجائزة الكبرى التي حصل عليها الصهاينة من مصر بإخراجها تمامًا من دائرة الصراع وانفرادها بالساحة، بل والسماح للصهاينة بالقضاء على مصر وضرب مصالحها؛ بحيث أصبح العمل لصالح "إسرائيل" هو الأمن القومي المصري، وهو مفهوم انتحاري وسرطاني بالقطع، فإن السادات قد اغتيل في مصر، ويعلم الله أسرار اغتياله، مما سيوسع التاريخ بعد الثورة المصرية الصفحات للتفسير، بينما تم تكريم بيجين على هذا الإنجاز التاريخي، وكذلك مُنح كارتر الجائزة نفسها؛ لأنه عراب المعاهدة، رغم ما قيل من أنه كان يريد سلامًا حقًّا وعادلًا لجميع الشعوب في المنطقة، وأن أخلاقه المسيحية غير الصهيونية تأبى أن يشارك في الخديعة الكبرى بكلِّ هذا الحماس، ويبدو من مواقفه اللاحقة أنه صُدم من التطورات.

 

وكان كيسنجر أحقَّ الأطراف بالجائزة؛ لأنه هو الذي رسم طريق السلام الصهيوني لكل المنطقة منذ حرب أكتوبر وحتى استقرت الثمار في حديقة الصهاينة، بعد أن خطف ثمار النصر وأجهض نتائجه.

 

يمكن أن نضيف جائزة نوبل للسلام التي مُنحت للوكالة الدولية للطاقة الذرية ومديرها العام على أساس أنها إسهام ثمين للمشروع الصهيوني، فهدف الجائزة هي مكافأة الوكالة ومديرها العام في منع الانتشار النووي في الدول التي لا ترضى عنها "إسرائيل" والولايات المتحدة، ولذلك ناهضت الوكالة إيران وسوريا، بل وخلقت ملفًّا خاصًّا لمصر، بينما أبدت واشنطن والوكالة كرمًا ملحوظًا مع الهند وباكستان، وهما ليسا طرفين في معاهدة منع الانتشار النووي، فالوكالة ومديرها كانا جزءًا من سياسة منع الانتشار النووي وفقًا للسياسة الأمريكية، مما جعل منح جائزة نوبل للسلام لهما مكافأة لهما على محاولة تفرُّد الصهاينة ومحاربة غيرهم في مجال حيازة السلاح النووي، أو حتى حيازة الطاقة النووية السلمية.

 

وقد لاحقت هذه الشبهة أيضًا نجيب محفوظ في الأدب؛ إذ اتُّهم بأنه ساند اتفاقية السلام مع الصهاينة، فكانت مكافأته منحَه هذه الجائزة. ولم يفلت من هذه التهمة إلا قليل؛ مثل أحمد زويل؛ حامل الجنسية الأمريكية الحاصل عليها في مجال أبحاث علوم الطبيعة.

 

فكيف نبرِّئ جائزة نوبل للسلام من هذا العار الذي لحق بها، خاصة في مجال الصراع العربي الصهيوني؟!