الجمعة 09 يناير 2026 الساعة 02:35 م

مقالات وآراء

منير شفيق

مفكر إسلامي عربي
عدد مقالات الكاتب [330 ]

مناهضة القذافي والتدخل الأمريكي في آن واحد

حجم الخط

كان من المفروض والمأمول أن تنتهي الثورة الشبابية الشعبية في ليبيا كما انتهت الثورتان في مصر وتونس برحيل الرئيس وسقوط نظامه. ولو ببعض التعقيد أكثر بسبب عقلية القذافي وطبيعة النظام.

 

الثورة في ليبيا، وبكل المقاييس، هي جزء من الثورة التي تعمّ أغلب البلاد العربية ابتداء من تونس ومصر ومروراً بليبيا واليمن والبحرين، ولكن التطورات الأخيرة التي أوصلت الأمور إلى التدخل العسكري من قِبَل أمريكا وفرنسا وبريطانيا، أعاد ترتيب الأوراق بشكل لم يعد من السهل أو من الصحيح أن يقتصر تحديد الموقف، كما كان الحال قبل التدخل: الشعب في مواجهة طاغية استسلم لأمريكا منذ 2003 وأمعن هو وأولاده باستباحة أموال النفط. وقد أُعلن حتى الآن أنه وضع ثلاثين مليار دولار في بنوك أمريكا وشركاتها، وحوالى العشرين مليار دولار في بريطانيا. فضلاً عما قام ويقوم به من دور خطير في دعم انفصال جنوب السودان عن شماله، أو السعي لمواصلة تقسيم السودان ابتداء من دارفور.

 

التدخل الخارجي، وقد ابتدأ في قصف مواقع عسكرية على الأرض الليبية يتمّ تحت حجّة إنقاذ المدنيين من المجازر التي راحت القوات العسكرية القذافية إنزالها بهم سواء أكان في بنغازي أم مصراتا أم الكثير من المدن الأخرى.

 

هذا التدخل حين تتزعمه أمريكا لا يمكن أن يُنظر إليه نصرةً لمظلوم على ظالم فيما أمريكا هي الظالم الأكبر لشعوب العالم، كما لا يمكن أن يعمى المرء عن أخطاره ومراميه مستقبلاً. فالثمن الذي ستطلبه أمريكا نتيجة هذا التدخل أكبر مما يمكن أن يتحمله الشعب في ليبيا. ويشكّل سابقة خطيرة تتهدّد المستقبل العربي كله. وذلك حين يُسمح له بأن يتغطى بقرار من مجلس الأمن، أو بقرار من مجلس الجامعة العربية، أو باستغاثة في ظل شعب تُمزِّق أجساده قذائف القذافي وقواته المأجورة.

 

يضحك على نفسه كل من يصدّق أن أمريكا تحمل قِيَماً تتعلق بالحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية. فتاريخ أمريكا كله كان مضاداً لهذه القِيَم، بما في ذلك في أمريكا نفسها حين قامت على إبادة الملايين من الهنود الحمر، ثم على قاعدة من نظام عبودي كامل الأوصاف ثم تبعه نظام ميز عنصري مشهود لا مراء فيه، ثم ما حلّ مكانه لم يُزِل آثار الميز العنصري، وانتقلت الآن عدواه إلى سكانه من أصل إسباني أو إلى العرب والمسلمين في العقد الأخير.

 

أما تاريخ أمريكا في علاقاتها بالشعوب الأخرى فقد اتسّم دائماً بالعلاقة الاستعمارية الإمبريالية النهّاب التي تقيم الأنظمة الاستبدادية العميلة الفاسدة، والتي لا علاقة لها بالحريّة وحقوق الإنسان والديمقراطية. ولعل من شواهد ذلك تاريخها السيئ في أمريكا الجنوبية، وفي دعمها غير المحدود للكيان الصهيوني وما شنته من حروب ولا سيما ضدّ أفعانستان والعراق في العقد الماضي.

 

بل حتى عندما نُظر إليها بأنها أنقذت أوروبا الغربية من النازية فقد أحكمت عليها سيطرة سياسية واقتصادية وثقافية ما زالت باقية حتى اليوم. وليس أخيراً، فإن ما فعلته في البوسنة حين شنت حرباً ضدّ الصرب تحت حجّة إنقاذ البوسنة والهرسك وكوسوفو من الإبادة التي تعرّض مسلموها من نظام ميلوسوفيتش لا علاقة له بنصرة الذين تعرضوا للإبادة. فآمالهم اليوم في الاستقلال والسيادة تحوّلت إلى كوابيس.

 

من هنا لا يمكن أن ينظر إلى التدخل الأمريكي الراهن في ليبيا بأنه جاء لإنقاذ شعب من مجازر يرتكبها طاغية مجنون كان إلى أمس قد راهن على أمريكا لحماية نظامه. ولبى لها كل ما طلبته مقابل ذلك. فثورة ليبيا تتعرّض الآن بسبب هذا التدخل إلى خطر إجهاض ثورتها، تمهيداً للارتداد لإجهاض ثورتيْ تونس ومصر.

 

لا شك في أن المسؤول الأول الذي أوصل الأمور إلى هذا التدخل الأمريكي-الأوروبي العسكري هو معمر القذافي وأولاده وأركان نظامه. وذلك حين رفضوا الانصياع لإرادة الشعب. وراحوا يشنون حرباً إجرامية ضدّ المدن التي ثارت وتحرّرت من سلطانهم وقد استغلوا تفوّفهم بالطيران والمدفعية وما راحوا يتلقونه من دعم خارجي مشبوه في تجنيد المزيد من الجند والطيارين، لتعريض المدنيين للذبح والتقتيل. وكانوا بهذا يستدرجون التدخل الخارجي، عن وعي أو دون وعي.

 

ومن هنا يخطئ شافيز وكاسترو حين لم يريا في الثورة الشعبية في ليبيا ما رأياه في ثورتيْ تونس ومصر. وسوف يخطئان أكثر إذا رأيا في التدخل الأمريكي العسكري ما يعزز رأيهما في الوقوف مع القذافي ضدّ شعبه. فأمريكا التي فوجئت بالسرعة التي أُطيح بها بكل من حسني مبارك وزين العابدين بن علي تجد نفسها الآن مضطرّة لممالقة ثورتيْ تونس ومصر ومحاولة الالتفاف عليهما وحرفهما. الأمر الذي لا يجوز أن يشكك في طبيعة الثورتيْن الموجهّة، بالضرورة، إلى سياسات أمريكا بقدر ما وُجهّت إلى سياسات زين العابدين ومبارك، والتي هي السياسات الأمريكية بامتياز داخلياً وخارجياً.

 

الأمر نفسه تفعله أمريكا مع الثورة في ليبيا قبل أن يسقط القذافي ونظامه.

 

لهذا إن الموقف الصحيح يتطلب الوقوف بحزم ضدّ التدخل العسكري الأمريكي، كما الاستمرار بالوقوف الحازم ضدّ معمر القذافي وجرائمه ونظامه، كما الوقوف الحازم إلى جانب الشعب والثورة في ليبيا.

 

الوقوف إلى جانب الثورة والشعب يجب ألاّ يتزحزح لأنه الضمان لإفشال التدخل العسكري الأمريكي وأهدافه الخبيثة.

 

والوقوف الحازم ضدّ التدخل الخارجي الأمريكي يجب ألاّ يصبّ في مصلحة بقاء القذافي ونظامه ويحوّله إلى مناهض لعدوان خارجي فيما هو من تسبّب به برفضه الرحيل وبإصراره على تعريض شعبه إلى مجازر مروّعة.

 

والوقوف الحازم ضدّ معمر القذافي ونظامه يجب ألاّ يتزعزع مع التدخل العسكري الأمريكي ضدّه. فالقذافي على رأس المساومين مع أمريكا. وقد استسلم لها علناً بعد غزوها العراق، وهدر عشرات البلايين من الدولارات لاسترضائها وخدمها بصورة مباشرة وغير مباشرة في تقسيم السودان ودعم التمرّد في دارفور وفي سياساتها الأفريقية. بل هو اليوم أشدّ استعداداً للمساومة معها مقابل إنفاذ رأسه وأولاده ونظامه. وهو ما لا يجب أن يُسمح به من خلال الانحياز له تحت حجّة مناهضة التدخل الأمريكي العسكري.

 

الانحياز يجب أن يبقى للثورة والشعب مع المعارضة الحازمة للتدخل الأمريكي-الأوروبي العسكري واستمرار المطالبة بإسقاط القذافي ونظامه.

 

فليبيا يجب أن تخرج حرّة مستقلة وثورتها جزء من الثورة العربية التي انتصرت في تونس ومصر وراحت تشق طريقها الذي طال انتظاره مهما صعب وتعقدّ أو تعثر.