كلما اقترب موعد استلام الوزارة كلما ازداد إحساسي بثقل الأمر، وهنا يملؤني العجب ممن يتشبث بالكرسي أو يسعى إليه، وأقسم بالله لا أقول ذلك ادعاء للزهد أو (دلالا) إذ لم يعد لي من مطمح بعد هذه السنوات الطوال التي قضيتها في هذه الدنيا ، بدأت بتهجيرنا بقوة السلاح من أوطاننا بعد خمسة وأربعين يوما من ميلادي ( كما تقول أمي ) وصرنا لاجئين، واللجوء يعني ألا يكون لك أرض ولا وطن ولا هوية، وتحولت كل تلك الأشياء الأغلى إلى ( بطاقة تموين ) تتحصل بها على عشرة كيلو جرامات من الدقيق ونصف الكيلو من الفول ومثله من الحمص ، وكيلو من السكر...
وفي بداية موسم الشتاء ( بقجة ) فيها بعض ( الهلاهيل ) ينظر إليها اللاجئ وينتظرها كما لو كانت هدية من السماء يستر بها جسمه النحيل ، ويخرج بها مزهواً ترمقه عيون الحاسدين أو هكذا يخيل إليه، معنى اللجوء أن تحيك لك أمك سروالاً من أكياس الدقيق المرسوم عليها كفان متصافحان خارجان من كمين يزينهما العلم الأمريكي، وتحتهما عبارة ( هدية من شعب الولايات المتحدة الأمريكية ليس للبيع ولا للمبادلة ) ثم إذا كبرت يصبح معنى اللجوء وثيقة سفر زرقاء داكنة ما أن تظهرها لشرطي الجوازات العربي حتى ينظر إليك من أسفلك إلى أسفلك ( فليس لك أعلى عند رجال الجوازات العرب ) ثم يمارس عليك كل ما اختزنته ذاكرته من أساليب شخط وإذلال وإهانة، كنت عائدا من رحلة حج قبل واحدة وثلاثين سنة، ومررت في الزحام بجندي عربي، أحمل في يدي حقيبة ثقيلة ، وأسند بالأخرى والدتي التي كانت قد كسرت ساقها، ولسوء طالعي ( لطت ) الحقيبة في بنطال الجندي فنظر إليَّ باشمئزاز وقال: يلعن أبو ... غزة وقال كلمة أشبه ( بالفرامة ) التي تفرم اللحم ، إلا أنها ( فرمت ) كرامتي !!
ومعنى اللجوء أنك بعت وطنك وهاأنت متطفل على أموال العرب وبترولهم، ينظرون إليك نظرتهم إلى طفيلي رغم أنك تعلِّم أبناءهم، وتداوي مرضاهم، وتبني لهم المساكن أو تغسل لهم الصحون في مطاعمهم بعد أن تصنع لهم الطعام، ولا بأس أن تكنس لهم شوارعهم، ومعنى اللجوء أن يتاجر الحكام في قضيتك ومصيرك ويدعون الوطنية والشجاعة والفداء..
معنى اللجوء أنك محروم من أن تقول رأيك ، وليس لك حقوق سياسية ، وأن تصفق للزعيم (س) الذي سمح لك بأن تلجأ إليه ، تصفق له وأنت تعلم أنه لا يستحق البقاء في الحكم ساعة لأنك مقهور على ذلك .. ومعنى أن تصبح وزيراً للاجئين أن تحقق لهذا اللاجئ شيئا من كرامة ، أن تقول لمن سيفرط في حق العودة ( قف ) ثم تحيي في نفس اللاجئ الأمل في العودة ، معنى أن تكون وزيراً لشئون اللاجئين أن تسعى إلى أن يعيش اللاجئ في صور ، وصيدا ، وتل الزعتر ... (في لبنان) بكرامة آدمية ، وأن يعيش لاجئو اليرموك وحمص .... على أمل العودة ...
وأن يتمسك لاجئو الوحدات والبقعة وسوف ، وجرش ... بوطنهم الذي يقع غربي النهر ... أن يعرف كل طفل أن له قرية أو مدينة طرد اليهود منها أهله ، ويعرف أدق التفاصيل عنها ليرتبط بها وجدانياً وعقلياً وإيمانياً ، يحبها كما يحب روحه ، ويفتديها بالعزيز الأكرم ، على رأي حافظ إبراهيم ، وأن يصير للوثيقة كرامة ، وتنتفي عنها اللعنة ، وأن حاملها عربي مجاهد ، أبي ، كريم ... كما كل العرب والعجم...
وكل ذلك يحتاج إلى رجال ، وطاقات ، وهمم وعزائم ، يحتاج إلى مؤتمرات ومحامين ومناهج وأكاديميين ، يحتاج إلى أن يكون أطلس فلسطين في كل بيت لاجئ ، إذن يحتاج إلى حرية حركة ، وحرية نشر، وحرية رأي ، وحرية تواصل ، وحرية دعم ، وبناء ، ويحتاج إلى أموال ، يحتاج إلى وعي بمشاريع يهود وفضحها ، ويحتاج إلى وعي بالتاريخ والجغرافيا والحقوق والقرارات ، يحتاج إلى مراكز بحثية وإحصائية ، ويحتاج إلى إعلام هادف ومتخصص ، لا ذلك الذي يلهي اللاجئ عن لجوئه وحقوقه ... ولا يكتفي ببطاقة التموين أو (كوبونة ) لجان الإغاثة .. ولذا فإنني كلما اقتربت من ساعة الاستلام ازداد إحساسي بثقل المسئولية ... فأتوجه إلى الله أسأله العون...

