بداية، أود أن أؤكد على أن ليس لي مشكلة خاصة مع أي جهاز أمن مصري، ولكن ما عرفته من أصحاب التجارب ، وما قرأته جعلني أشعر بارتياح كبير لتجميد أمن الدولة كخطوة أولى في طريق إعادة هيكلته ، وأرجو أن يكون ذلك على أسس مهنية، فتوكل إليه مهام تكفل حرية المواطن المصري وكرامته الذي طالما عانى من قسوة أفراد هذا الجهاز، والذي كان يحترف التسلط على ألسنة الناس وقلوبهم ليحاسبهم عما توسوس لهم به نفوسهم، والذي لن يكون إلا (التآمر والخيانة والإضرار بالأمن القومي)...
وأما الحساب فيتراوح ما بين الشتائم النابية وبين ما يسحق آدمية الإنسان وكيانه والذي يصل إلى وضع العصي الغليظة في أدبار الشباب ، وانتهاك حرماتهم وأعراضهم واغتصاب النساء ، ناهيك عن فرض الخاوات والإيتاوات التي تكسر الظهر ، وما المشهد الذي تعرضه الفضائيات لضابط يوالي صفع مواطن ب (الأقلام) وبشكل دائم ومتسارع فيكاد يكون هو الأرحم، وأما التحقيق وأقبيته فالحديث يجري عن ممارسات دونها (أحياناً) ما يعانيه المسحوقون في جوانتينامو أو هدريم أو جلبوع أو أبو غريب، بل ويتفوق على ما اقترن باسم حمزة البسيوني وصلاح نصر في السجن الحربي والذي تشيب من هوله الأجنة...
فمن ضرب بالهراوات إلى تعليق كالذبائح إلى تكسير العظام وتجويع و"فلقات" تجعل الأقدام متورمة ملأى بالصديد، ثم يكره صاحبها على أن يمشي على طريق من (الزلط) المجروش ذي الحواف الحادة كالسكاكين ، ولا سبيل للنجاة من كل ذلك ... لا سبيل ، يحيط به الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ... تلك جهنم الدنيا !!! هذا إلى جانب مصادرة الأموال وتخريب البيوت وتلطيخ شرف رجال الأعمال وسمعتهم إن لم يرضخوا لرغائب الضباط ، فالتهمة جاهزة...
غسيل الأموال أو تبييضها والاتجار بالمخدرات التخليقية من كوكايين وهيرويين ، ولا بأس أن يضاف إليها العمالة والتجسس لجهات معادية كأن تكون (إسرائيل) أو إيران أو حزب الله أو حماس، مع مراعاة التصعيد في كل ذلك ، وأما طلاب الجامعات فالويل والثبور وعظائم الأمور لمن تضع حجاباً لا نقاباً أو أن يفكر شاب بإعفاء لحيته فقد لا تجد/يجد لها/له مكاناً تحت الشمس بعد مضايقات واستدعاءات وإهانات وإرعاب وتخويف ، وإذا ما أفلتت إحداهن أو أفلت فتخرج ونال شهادته فلا وظيفة ولا عمل حتى ازدحمت الطوابير بالمتعطلين عن العمل ، فارتفعت نسب البطالة حتى تجاوزت رأس الهرم العالمي ، ولا يشفع لأحدهم إلا شهادة تزكية من رأس هرم الدولة في بعض الأحوال...
إذن هي العبودية والاستعمار الداخلي الذي تفوق في تعسفه وقسوته على كل استعمار أجنبي... ولذا فإن نجاح ثورة مصر في تجميد هذا الجهاز يبشر بعودة مصر حرة عزيزة عملاقة لتعود بيضة القبان في دنيا العرب، بل في العالم أجمع بعد أن تحقق لشعبها العظيم الحرية والعزة والكرامة .

