لم يكن ما قاله الرئيس اليمني عن غرفة التحكم التي تدير الاحتجاجات اليمنية من تل أبيب برعاية أمريكية جديداً، فقد ورد على لسانه مراراً بطرق مختلفة، لكنه هذه المرة كان أكثر حسماً في تحديد المكان. والمثير في القصة أن الرجل كان يتحدث إلى أساتذة الجامعات، وليس إلى فئة عادية يمكنها تمرير القصة بهذه الطريقة أو تلك.
ولأن التهمة لم تكن جديدة، فقد قرر الأمريكان ألا يسكتوا هذه المرة، لاسيما أن الأمر لا يمسهم وحدهم، بل طال الأحبة في تل أبيب أيضاً، فكان أن قرروا الاحتجاج، وهو ما اضطر السيد الرئيس إلى الاعتذار عن الخطأ غير المقصود، ولا نعرف كيف يكون ما قيل محض خطأ هو الذي حدد التهمة، وكان على وشك الإعلان عن امتلاكه صوراً وتسجيلات لغرفة التحكم الإسرائيلية التي تدير الاحتجاجات في سائر أنحاء اليمن.
في مرات سابقة لا يمكننا إحصاء عددها كان الرئيس يتحدث عن الأجندة الخارجية للمحتجين، من دون أن يحدد تلك الجهات الخارجية، إذ بوسع كل مستمع أن يذهب بخياله في الاتجاه الذي يريد، وكان أولى به أن يواصل ذلك النهج الذي تصعب محاكمته، والذي لن يضطره إلى الاعتذار للجهة المتهمة (بفتح الهاء).
أما العقيد الليبي، فلم يتحدث عن الصهاينة ومن ورائهم واشنطن، هو الذي يسعى لاسترضائهم (ذكرت دوائر غربية أن سيف الإسلام أجرى اتصالات مع بعض الإسرائيليين من أجل دفعهم للتدخل لدى الأمريكان لصالح والده)، فقد كان خطابه الأخير (كم ساعة استغرق بالمناسبة؟) كان واضحاً في تحديد العدو. إنها القاعدة التي حركت خلاياها النائمة لتقوم بتلك الأعمال التخريبية، إذ ليس ثمة مظاهرات ولا احتجاجات، بل تمرد مسلح، والسبب أن الشعب يحب القائد الذي لا يملك سلطة حتى يستقيل منها أو يتنازل عنها (لم يذكر لنا ما هي سلطات نجله العزيز سيف الإسلام، وأبنائه الآخرين).
خلاصة القول هي أننا إزاء شعبين عربيين، أحدهما يتحرك من خلال غرفة توجيه وتحكم في تل أبيب، بينما يركض الآخر خلف خلايا قاعدية حملت السلاح من أجل التخلص من حبيب الجماهير الذي تنازل عن كل سلطاته للشعب وجلس في خيمته لا يلوي على شيء، اللهم سوى فض بعض المنازعات التي تجري أحياناً بين ممثلي الشعب (نسي القائد هذه المرة حبوب الهلوسة).
أي احتقار للشعوب هذا الذي نسمعه من هنا وهناك، لاسيما أن الأمر لا ينحصر في هذين البلدين، بل يشمل بلداناً أخرى ما لبثت معارضتها وجماهيرها تتلقى التهم بخدمتها لأجندات خارجية، مع تذكيرها بمنجزات الأوطان التي تنكرها؟
هي مهزلة من العيار الثقيل، وما القول إن بعض هؤلاء الزعماء لا يعرفون الحقيقة، وأن تقارير مضللة تصلهم من المساعدين أو الملأ كما يذهب بعض الجهلة، فليس سوى إمعان في احتقار الناس وعقولهم، لاسيما أن حكام اليوم ليسوا مثل خلفاء بني أمية أو بني العباس، بل هم يسمعون وسائل الإعلام ويتعاطون مع أحداثها، ويعرفون كل شيء من دون أن يستمعوا لمن حولهم، مع أننا لا نصدق أن خلفاء الزمان القديم لم يكونوا يعرفون حقيقة موقف الناس منهم في أقل تقدير.
بعد عقود النهب والقمع واحتكار السلطة والثروة ورهن القرار للخارج في كثير من الأحيان، وبعد عقود من الفساد والإفساد، يأتي من يسأل لماذا تنتفض الشعوب، مع أن السؤال الأهم هو لماذا لم تنتفض من قبل، وكيف صبرت كل هذا الوقت على مثل هذه الأوضاع البائسة؟
اليوم اكتشفت الشعوب ذاتها، وأدركت أسرار قوتها، وهي تنتفض بأجندتها الخاصة، بل إنها تنتفض ضد الأجندات الخارجية التي حركت الكثير من سياسة أنظمتها بعيداً عن مصالح الأمة. إنها تنتفض من أجل ذاتها وقرارها وهويتها وثروتها، تماماً كما تنتفض من أجل كرامتها ووحدتها، ومن أجل فلسطين والعراق وكل حياض الأمة التي داسها الغزاة بتواطؤ من الأنظمة أو بعضها في أقل تقدير.


