الجمعة 13 فبراير 2026 الساعة 06:30 م

مقالات وآراء

الزلازل الاجتماعية

حجم الخط

كان "ريختر" ذكياً حين قال بأن الزلازل ليست قدراً لا يرد بل يمكن قياسها علمياً، والوقاية منها أيضاً. هذا ما كان في قصص زلازل وبراكين الأرض، والآن جاء الدور على الزلازل الاجتماعية.

 

كتبت في عام 2003 عن الزلزال العراقي وقلت يومها إن أثر الزلزال لن يبقى في أرض حمورابي، بل سوف تتشقق الأرض في اتجاهات شتى. ليس هذا فقط بل قد تطور الأمر إلى البراكين والحمم واللافا، بل والتسونامي، حين تشقق الزلزال أمواج المحيطات فتلتهم الشواطئ بأمواج ترتفع ثلاثين متراً فتصبح المدن الساحلية في لجة اليم.

 

ما حدث في علم الاجتماع على مستوى المنطقة كان زلزال تونس، وبركان مصر، واللافا المحرقة في ليبيا. لكن هل سيقف التشقق عند حافة معينة؟ وهل ستقف أمواج التسونامي عند حد ما وترتد؟

 

بكل أسف لا يوجد خبراء في علم الاجتماع يستطيعون التنبؤ بما سيحصل: أين ستصل الأمواج؟ وأين سيصل التشقق؟ وإلى أين سترمي اللافا حممها الحارقة؟

 

يبدو أن الزلزال العراقي شقق الأرض وهيأ الجو فأحدث موجات ارتدادية في الجوار، تماماً كما يحدث في الظاهرة التي يقف أمامها علماء الزلازل حيارى تائهين.

 

ولعل أفضل ما في زلزال تونس أنه كان سليماً، أو بعبارة أدق، كان ولادة بأقل قدر ممكن من الدماء. أما ما حدث في مصر فكان أشبه بالمعجزة، إذ كان درساً للعالمين جميعاً. ومع هذا هناك أسرار في ظاهرة الزلازل؛ إذ لماذا تثور الأرض في مكان دون مكان؟

 

لقد اكتشف علماء الجيولوجيا وجود خطوط للزلازل في الأرض، وأن القشرة الأرضية محمولة على صفيحات قارية متحركة تصطدم ببعضها من حين لآخر، وتتراكب على بعضها في أمكنة ما محدثة صدعا هائلاً تنفلت منه طاقة الأرض المحبوسة.

 

وإذ تقوم المجتمعات هي أيضاً على سنن الله في خلقه، فإن الثورات حينما تندلع تكون مثل الأوبئة والأمراض؛ تنتقل بالعدوى من مكان لآخر.

 

ما حصل في تونس لم يقتصر عليها، بل امتد ويمتد إلى أمكنة مختلفة، بعد أن فجر قوى المجتمع الفعلية بالأسلوب السلمي. لقد كانت طريقة ولادة الدول الحديثة في المنطقة أشبه بأٍسلوب الانقلاب العسكري في جنح الليل. ومشكلة العمل العسكري أنه خطأ فادح، سواء نجح أو فشل؛ فإن فشل طحن وسحق معه الأمة، أما إذا نجح فسوف يسقط مرتهناً للقوة والسلاح، وهو ما حصل للجناح المدني والعسكري في أكثر من بلد، مثال ذلك "البعث" وتصفيته للقيادات السياسية.

 

جاءت قصة في الإنجيل عن هذا المعنى حين توجه جنود الرومان بتحريض من السنهدرين (مجلس الفقهاء) لإلقاء القبض على المسيح عيسى بن مريم؛ لأن أفكاره خطيرة على المجتمع اليهودي، وقالوا عنه إنه يقول عن نفسه إنه ملك اليهود! تقول رواية الإنجيل إن بطرس أراد الدفاع عن يسوع المسيح، فاستل السيف، فقال له المسيح: اخفض سيفك لأنه مكتوب من أخذ السيف بالسيف يهلك.

 

هكذا فعلت المقاومة في مصر وتونس، ألقت بالسيف، لأنه من يملك السيف به يهلك ويفنى. والله يقول: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعلمون".