الجمعة 06 فبراير 2026 الساعة 07:02 ص

مقالات وآراء

ليست الجزيرة من يصنع الثورات ولكن؟

حجم الخط

بعد الهجمة الضارية التي تعرضت لها فضائية الجزيرة بسبب تغطيتها للثورة التونسية، جاءت الثورة المصرية لتعرّض المحطة من جديد لهجوم شرس ومباشر من الإعلام المصري الرسمي، ومعه فلول مثقفي الأنظمة التي يعيشون على عطاياها، فضلاً عن استهدافها بالتشويش ومنع البث على قمر "نايل سات" و"عرب سات".

 

اليوم يعود المشهد من جديد، ففي ظل التحركات الشعبية في البحرين، والثورة العارمة في ليبيا، وربما ملامح حراك في المغرب ودول أخرى، عادت المحطة لتكون في بؤرة الحدث والاستهداف، لكأنها هي التي تصنع الحراك الشعبي وليس المظالم التي يعتقد الناس أنهم يتعرضون لها.

 

وفي حين لا يُعتقد أن قطر سعيدة بما يجري في البحرين على سبيل المثال تبعاً لتداعياته المحتملة على منطقة الخليج، فإن الجزيرة لن يكون بوسعها تجاهل ما يجري هناك بأي حال، وإلا غدت بلا مصداقية، لاسيما أن المحطات الأخرى لا تتجاهل بدورها الحدث، بخاصة البي بي سي والحرة وفرانس 24 وعدد من المحطات الأخرى.

 

إذا أرادت الجزيرة أن تحافظ على مكاسبها الشعبية، فلا بد أن تستمر في متابعة الأحداث بصرف النظر عن دلالاتها السياسية، وهنا تنهض الحالة الليبية كمثال، إذ أن العلاقة الليبية القطرية الرسمية كانت جيدة على الدوام، لكن المحطة لم يكن بوسعها تجاهل ما يجري، لاسيما بعد عمليات القتل البشعة التي ارتكبت في وضح النهار، بعضها تم بالأسلحة الثقيلة والطائرات، فضلاً عن استخدام السلطة عناصر مرتزقة من الأفارقة الذين جيء بهم من الخارج.

 

أية مصداقية ستبقى للجزيرة إن هي تجاهلت ذلك كله، وذهبت تتحدث في شأن آخر أقل أهمية، ونذكّر من جديد أن المحطات الأخرى، بخاصة الأجنبية الناطقة بالعربية لا تفعل ذات الشيء، بل تمارس تغطيتها دون النظر للأبعاد السياسية التي تستوقف كثيرين، لكنها لا تتعرض لذات الاتهامات التي تتعرض لها الجزيرة؟

 

ثم إن قضية الإعلام قد أخذت تتجاوز عالم الفضائيات إلى عالم الإنترنت بكل تجلياته من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وسواها، ما يعني أن الموقف لم يعد كما كان عليه الحال قديماً من حيث إمكانية التعمية على الأحداث بقرار سياسي من وزارة أو وزارات الإعلام، مع أن ذلك لم يكن متاحاً تماماً في ظل وجود إذاعة البي بي سي.

 

الجزيرة لا تصنع الثورات، ولا حتى الإنترنت بكل تجلياته، بل المظالم وشعور الناس بإمكانية التغيير من خلال الاحتجاج السلمي والتضحيات، وجل ما تفعله الجزيرة هو أنها تعكس تلك التضحيات من خلال تغطياتها، وقد فعلت ذلك من قبل في انتفاضة الأقصى في فلسطين، وتالياً في حرب غزة، فكان الإسرائيليون أقل احتجاجاً عليها من العرب هذه الأيام رغم أنهم انتقدوها مراراً وتكراراً، وقد كان بوسعهم أن يشوشوا على بثها كما يفعل العرب، كما كان بوسعهم طرد مراسليها.

 

لا تريد هذه الأنظمة أن تعترف بواقعها البائس، ولا بما تقترفه من مظالم بحق شعوبها، وتجد من الأسهل عليها إلقاء اللائمة على هذا الطرف أو ذاك، لكن الشعوب لم تعد تقتنع بذلك كله، وهي اكتشفت ذاتها، واكتشفت السلاح القوي بيدها، وهي لن تركن إلى الظلم والظالمين من جديد.

 

بدورها لن تغير الجزيرة مخطط عملها، والأرجح أن من يمولونها لن يتوقفوا عند كل حدث ليقرروا ما إذا كانوا سيغطونه أم لا، لأن عالم الإعلام ليس حكراً على الجزيرة، وإذا لم تبادر هي إلى تقديم ما يتوقعه الجمهور منها، فسينفضون عنها إلى غيرها.

 

عندما يسقط الناس قتلى في الشوارع وهم يتحدون الظلم بصدورهم العارية لا يغدو ثمة مهنية خارج سياق الانحياز للمظلومين، وهذا ما تفعله الجزيرة، مع أن انحيازها لا يعدو أن يكون كشفاً للجريمة التي يريد القتلة التستر عليها حتى لا تستفز المزيد من الناس في الداخل والخارج.

 

كل ذلك لا يقلل من قيمة الجزيرة ولا أهمية دورها، ولا يقلل من شجاعة الذين يقفون خلفها، وما يتحملونه تبعاً لذلك من عنت وتحريض، وجماهير الأمة من المحيط إلى الخليج ومن طنجة إلى جاكرتا تدرك ذلك تماماً، وتقدر لهم ذلك أيما تقدير.