عندما رفعت حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) في حملتها الانتخابية عام 2006 شعار التغيير والإصلاح ، لم ترفعه لكونه فيه شيء جديد فحسب، بل رفعته من خلال قراءة واضحة ومتأنية للواقع في المنطقة العربية التي غرقت بالفساد والديكتاتورية، وانهارت من ناحية قيمية وأخلاقية وباتت مرتعا للتدخلات الأجنبية السافرة، وبات كثير من دولها أدوات أمريكا والغرب وعلى رأسهم (إسرائيل)، وليس بعيداً عنا كيف تحول النظام المصري من نظام ثوري قائد إلى نظام قمعي انغلق على نفسه وسقط في مستنقع التبعية بدلاً من الريادة والقيادة.
حماس أدركت أن التغيير سيكون عنواناً للمرحلة القادمة في المنطقة، وكان لديها إرهاصات كثيرة وبشائر عن حالة التغيير التي ستهب على المنطقة، وليس بعيدا عنا ما تحدث به الشهيد الإمام أحمد ياسين عندما قال إن زوال (إسرائيل) سيكون قريباً من عام 2020، هذه التوقعات لم تكن أضغاث أحلام ولكنها توقعات اعتمدت على مقدمات مبنية على وقائع كان أهم عناصرها هو عودة الروح الإسلامية إلى الشارع العربي، ومن هذه العودة استلهم الشيخ ياسين توقعاته، لأن زوال (إسرائيل) لن يأتي من خلال القوة المادية وحدها الفارغة من العقيدة والإيمان، بل يجب أن يسبق القوة المادية القوة الروحية والدينية والتي انطلقت رويداً رويداً منذ سنوات طوال، واشتدت في هذه الأيام فكانت الثورات الشعبية في تونس ومصر وها هي تسير نحو المزيد منطلقة من المساجد.
حركة حماس قرأت الواقع العربي بعناية، وبنت استراتيجيتها خلال السنوات الماضية على أن التغيير والإصلاح الذي بدأته هي سيكون شعار المرحلة القادمة، وعليه تحمّلت ما قامت به سلطة أوسلو في سنواتها الأولى وصبرت، وأعدت البناء وتواصلت مع الساحة العربية وحققت انتشاراً واسعاً وحضوراً لفلسطين والقضية الفلسطينية بثوب جديد وفكر جديد هو فكر المجتمع العربي المسلم، فكانت فلسطين حاضرة في كل المحافل، والنظرة إليها على المستوى الشعبي تغيرت، وما هذا الدعم الكبير شعبياً الذي لمسناه في كثير من المواقع كالحصار والعدوان إلا دليل على ذلك والذي امتد التأثير فيه خارج الساحة العربية ليطال الساحة الإسلامية والدولية.
هذا يدفعنا للحديث عن موقف حماس الصلب تجاه نظام مبارك ( النظام المصري ) خاصة في الورقة المصرية، والتي رفضت حماس التوقيع عليها كونها ورقة لا تتوافق ومصالح الشعب الفلسطيني، وكانت حماس وفق تصوري تراهن على الوقت لأنها أدركت الواقع، وأدركت أن التغيير قادم وزمنه لن يطول، فتحايلت على الوقت وأخذت تتقدم تارة وتتأخر تارة أخرى دون أن توقع على ورقة لا تحقق مصالح الشعب الفلسطيني، ورفضت موقفاً مصرياً انحاز إلى فريق تصفية القضية الفلسطينية تماشياً وتسويقاً للمشروع الأمريكي الصهيوني الهادف إلى تبريد المنطقة لفرض المشهد الأخير للسيطرة على المنطقة.
تحملت حماس الحصار من النظام المصري على قطاع غزة، وتحملت المقاطعة السياسية لها قبل الحصار المادي، وراوغت نظام مبارك فترة من الزمن، ولعبت السياسة بذكاء كبير، وأبقت شعرة معاوية مع النظام المصري لأنها كانت تدرس الواقع الداخلي في مصر بعناية كبيرة، وزادت قناعاتها أن هذا النظام إلى زوال، وأن المعادلة السياسية ستتغير لصالح القضية الفلسطينية وفق رؤية حركة حماس القائمة على أن فلسطين كل فلسطين هي أرض إسلامية، وأن الاعتراف (بإسرائيل) خيانة كبرى وجريمة لا يمكن لها أن تستمر.
نعتقد أن قراءة حماس كانت مدروسة، وموقفها من التغيير في المنطقة كان واقعياً وها هو آخذ في التغير والتشكل بشكل مخالف لكل ما رسمته الإدارة الأمريكية للمنطقة بالتعاون مع بعض الأنظمة العربية، وأن ما يجري في الساحة العربية سيلقي بظلاله على المنطقة كافة، وأن التغيير لن يطال شخوصاً ونظماً فقط بل سيطال سياسات واستراتيجيات وأولويات كانت غائبة منذ سنوات طوال.


