دخل الأستاذ إلى الصف وتوجه إلى الطلبة من ذكور وإناث فقال: هل هناك أحد غير بعثي في هذا الصف؟ فرفع ثلاثة من الطلبة أصابعهم كان أحدهم (طالبة). قال الأستاذ: إذاً سوف نوزع عليكم استمارة الانتساب للحزب. وفي اليوم التالي كان الطلبة الذكور قد نالوا الحظوة بالانتساب للحزب القائد و بدؤوا بقراءة ترانيم الصباح من إنجيل القائد الذي يحكم إلى الأبد. وبقي في الفصل متمرد واحد (أنثى) تشبثت بموقفها أنها لن تنتسب للحزب. قال لها الأستاذ: لماذا لم تنتسبي إلى الحزب؟ قالت الطالبة: هل الانتساب للحزب إلزامي؟ ارتبك الأستاذ وابتسم ابتسامة صفراء وقال: بالطبع ليس الانتساب إلزامي. ولكن الانتساب للحزب يمنحك العديد من المزايا وبدأ يعدد بركات الحزب من تأمين الوظيفة ودخول الجامعة والانتساب للجيش والانخراط في المخابرات والتجسس على المواطنين وفتح الدكان وصك الزواج؟ أصرت الفتاة على موقفها وقالت: لن انتسب للحزب. طلبها الأستاذ على انفراد حتى لا تحدث (شوشرة) في الصف وقال لها: اصدقيني الخبر فإن كان والداك قد (خوفوك) أو مارسوا ضغطاً عليك فلسوف نتولى أمرهم؟! قالت: لا .. والامتيازات لا أريدها ووالدي تركا لي حرية الاختيار وأنا اخترت أن لا أنتسب للحزب. وأكرر هل الانتساب للحزب إجباري؟ ارتبك الأستاذ هذه المرة أكثر وبدت على وجهه علامات الغضب فلم يواجه حالة استعصاء نادرة مثلها في عقول الشبيبة التي يغسلونها على مدار الساعة، وفي العادة ينضم الجميع مثل الحملان الوديعة بدون تردد، فأحال المسألة برمتها إلى مدير المدرسة كي يعالج هذا التمرد الخطير. وفي اليوم الثالث استدعى المدير الطالبة وأكرمها بمقعد وثير وابتسامة عريضة وتهليل مجيد ثم فتح فاه فقال: أنت من خيرة الطالبات ونحن نبني عليك الآمال والحزب القائد يتطلع إلى أن تنتسبي إليه وتشاركي في النضال بين صفوفه. سكتت الطالبة هنيهة والمدير يتأمل تعبيرات وجهها. وأجابت بهدوء: هل الانتساب للحزب إجباري؟ صعق المدير وأجاب بانفعال وقد ارتفعت طبقة صوته: لا .. لا .. بالطبع ليس إجبارياً .. ولكن ثم بدأ يعدد المحاسن اليوسفية والدرر اللامعة لإنجازات الحزب والقائد. وعندما ختم ديباجته قالت الفتاة باختصار وإصرار أكثر من الأول طالما كان الانتساب للحزب ليس إلزاميا فلن انتسب للحزب.
هذه .. اللا … اللعينة أحدثت إرباكاً في إدارة المدرسة ورأوا فيها بادرة تمرد خطيرة من طالبة تافهة؟ عندها انتقلوا إلى الوعيد والترهيب فكانت النتيجة نفسها. وكانت جملة "هل الانتساب للحزب إجباري؟" تشكل معادلة صعبة ليس لها حل في رياضيات الحزب. فلما سقط في أيديهم اعتبروا أن عقل الطالبة قد تسمم. وأن خلفيتها بورجوازية. وأن تربيتها عفنة رجعية. وتركوها على أمل اغتصاب إرادتها في مناسبة أخرى.
هذه القصة تحكي واقع النظام البعثي وما يجري تحت الأنظمة الشمولية. كما تحكي القابلية للاستعمار وكيف يولد الاستعمار. كما تحكي قوة (لا) وأن استعمار الناس يتم بأيديهم وأن الشيطان ليس له سلطان إلا على من اتبعه من الغاوين. كما تحكي لماذا تأتي أمريكا للمنطقة لغزو ديار الوثنيين الذين أطاعوا سادتهم وكبراءهم فأضلوهم السبيلا. ودخلوا حزب فرعون وما أمر فرعون برشيد.
إن القاسم المشترك بين الفاشيست والبعثيين والنازيين هو مركزية الحزب ونظام التجسس وترويع المواطن. وأعظم آفة يتعرض لها مجتمع تحوله إلى مجتمع كله حزب من المنافقين. وهم بممارسة دين (الإكراه) حولوا الأمة إلى قطيع من الخائفين.
إن بركات الحزب كثيرة ولكن ينقصه مزية واحدة ليست في دستور الحزب وهي حرمان الإنسان من (الاختيار). ومعها يحرم من كل (إنسانيته) ويتحول إلى (شيء) من الأشياء. وبها يخسر الأبعاد الثلاثة له كإنسان: "الاستقلالية والإرادة والتفكير". ليتحول دماغه إلى سطح مسطح مثل حدوة الحصان.
إنها بكلمة مختصرة قتل الإنسان بالجملة والمفرق. ولن ينصر الله مجتمعا وثنيا على مجتمع موحد أو هو أقرب للتوحيد. وهذا السر أن العالم الإسلامي كب على وجهه لأنه لا يعبد الله حقا بل يعبد الأوثان فلا تدخل حدود بلد عربي إلا والأصنام مشرعة من صور شتى وتماثيل منتصبة اعل هبل.
وأما عن الحصان العسكري وهو أخوف مايهدد الثورة التونسية فهذه هي الفكرة:
كل حصان قابل للترويض الا الحصان العسكري فإنه يجمح براكبه فيدق عنقه هكذا جاءت أخبار الانقلابات ووقائع التاريخ.
هذا المرض أصيب به كل فصائل المنطقة من قوميين واسلاميين؛ فأما القوميون فقد التهم بعضهم بعضاً كما تلتهم أنثر العنكبوت ذكرها في يوم الزفاف؟
حدث هذا عندما أصبحت السلطة والسلاح في أيديهم.. كان ذلك في الكتاب مسطورا.
وبلغ الأمر بالبعثيين العبثيين أن حكموا قائديهم الروحيين (عفلق) بالشنق والخنق والفشكة والخنجر، فأما عفلق فنجا وهرب، ولحقوا صلاح البيطار في باريس فقتلوه في رابعة النهار بطلقة في الجمجمة فما أقال؟
ولحقوا العطار في آخن من ألمانيا فنجا وقتلوا زوجته بسبع طلقات وهم يهتفون فوق جثة امرأة ممزعة، ثم سافروا إلى أرض الأندلس الرطيب فاغتالوا الصباغ الخطيب الحمصي بفشكة في القذال فما تنفس بعدها؟
وكانت الحلقة الداخلية الانقلابية لمحزنة 8 آذار ـ مارس المشئومة في سوريا من خمس حلقات مثل قشر البصل، ففتكت كل حلقة بالتي فوقها، وطار أبو عبدو الجحش ـ عفوا فهو غني عن التعريف ـ ومات متعفنا في النهاية صلاح جديد العقل اليساري المدبر في سجن المزة العسكري وهو يلعن اليوم اليوم الذي ولدته أمه، وأما رئيس الاستخبارات عبد الكريم الجندي الذي كان إذا اشتهى امرأة في أبو رمانة من عاصمة الأمويين أتته في ساعة بيد الحشاشين، حتى نحره رئيس القراصنة أو انتحر، ومررت أنا على قبره في السلمية وقد استسلم لرقدة القبر وفوق قبره مكتوب ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا فهززت رأسي وقلت في سبيل الله أم الحزب والشيطان؟
وفي عدن تقاتل الرفاق في ليلة نحس مستمر فذبح الرفاق الرفاق وخرج بعضهم مثل قصص العراب وآل كابوني يزحف من صالة الإعدامات مثل الزواحف البرية؟
وأما حسن البنا مؤسس (الأخوان المسلمين) فقد قضى نحبه عندما انفجر به لغم (التنظيم الخاص) الذي صنعه على عينه؛ فلم يكن مصرعه سوى رد فعل عادي على مقتل النقراشي و (يداك أوكتا وفوك نفخ).
حينما يعزم الجناح المدني على القفز الى السلطة على ظهر الحصان العسكري يرى الأخير أنه وضع دمه على كفه في هذه المغامرة الكبرى فهو اولى بثمرة السلطة، وإذا قامر فريق ثاني فسولت له نفسه الانقضاض على الذئب الأول كان جاهزاً بالمرصاد لسفك الدم؟
وهكذا فالقتل وسفك الدماء شرط أساسي لاستتباب الأمن في نظر الانقلابيين ؟
وعندما فشل هتلر في انقلابه عام 1923 م وجلس في السجن انكب على تأليف كتابه الشهير (كفاحي MEIN KAMPF) الذي يباع بوقاحة في دار العبيكان؟ وفيه وصل الى القناعة الكاملة أن الوصول الى السلطة في ألمانيا يجب أن يكون بالطريق الديموقراطي، وهكذا جاء هتلر الى السلطة عام 1933م.
وعندما سقطت في يده تفاحة السلطة الناضجة أقسم له الجيش البروسي ذو التقاليد العريقة على الولاء ، ولكن (رووم RUHEM) قائد المليشيات العسكرية لم يستوعب هذه الحقيقة، ولما تمرد قام هتلر بتصفيته، فقتله بيده فما تاب وأناب؟
فهذه هي حكمة العسكريين الأولى التي يجب تلاوتها بخشوع من كتاب ميكافيللي (الأمير):
على الحاكم أن يكون ماكراً كالثعلب دموياً كالنمر وعليه أن يقتل بدون تردد كما حذق بن شقي في تونس هذا الدور لمدة ربع قرن؟
أما ماوقع في ايران فلم يكن انقلابا عسكريا دشنه ضباط مغامرون على ظهور الدبابات في جنح الظلام بين ظهراني أمة نائمة بل كانت (ثورة) وهو ماتكرر في 14 يناير 2011م بدون ملالي وآيات الله؟
أما في إيران فقد اعتمد فيها الخميني تكتيكاً مزدوجاً وطبقه بنجاح استحوذ على دهشة العالم فمشى على ساقين من (الاضرابات) و (المظاهرات) يحركها كاسيت ينتشر بين جماهير غاضبة، أو الفيس بوك ورسائل (SMS) في تونس؟
والخميني في إيران لم يكن عليه سوى أن يعيِّن أربعينية كل شهيد لتتحرك مظاهرة جديدة فشهداء جدد فأربعينية جديدة، وفتح الناس صدورهم للرصاص بروح استشهاد الحسين، وشاركت المرأة فكانت تسابق الرجل وفي يوم الجمعة الأسود 8 آب من عام 1978 م حصدت الطائرات المروحية في مظاهرة تضم نصف مليون انسان 4500 انسان منهم 650 امرأة؟ والتحمت كل القوى السياسية في ثورة نادرة، وكان الناس يضعون الورود في فوهات البنادق ويقولون للجندي أيها المسلم لاتقتل أخاك؟! وعندما كان الشاه يصدر أوامره بمنع التجول كان الخميني يطلب من الجماهير العزلاء من أي سلاح أن تنزل الى الشوراع وكانت الناس تستجيب له بسواعد عارية وهتاف الله اكبر؟!
إذا كان الغرب قد انجفل الغرب وزلزل زلزالاً شديدا بما تحقق في إيران، وكان التلفزيون الألماني وقتها يذيع نصف برامجه عن الثورة الايرانية فإن هناك بعض (العباقرة) من المنظِّرين السياسيين عندنا قالوا لاجديد تحت الشمس فهذه ثورة تدبرها الاستخبارات الأمريكية؟ .
هناك حقيقة لم يستوعبها العرب حتى اليوم أن الزلزال الايراني كان (ثورة سلمية) ولم يفرقوا بين (الثورة الايرانية) و (الانقلاب العسكري العربي) وسال لعاب البعض وتلمظ لقلب أنظمة الحكم بالسلاح، وهو مالم تفعله الثورة في ايران، لإن الجيش الايراني تفكَّك، ولم يتدخل وتهاوت المؤسسة العسكرية وشعر الجنرالات الستمائة الذين رباهم الشاه على عينه أن السيطرة على الجيش أفلتت من أيديهم وعليهم الآن أن يصالحوا الثورة أو أن ينجوا بجلودهم؟
ولكن الغموض الذي حصل جاء في النهاية عندما بدأت الاسلحة تسرق من الثكنات وبدأت بعض المجموعات العنفية من جماعات (مجاهدي خلق) تتسلح وتنتقم من (السافاك) الذي كان قد صفى قياداتها قبل اندلاع الثورة!! ففي الوقت الذي نجحت الثورة (سلمياً) وانتصر (الدم) على (السيف) في تقويض كل النظام سارع بعض الحاقدين لتصفية حساباتهم القديمة بعيداً عن روح الثورة في التسلي بالعيارات النارية.
هذه المظاهر الشاذة لفتت نظر شبابنا ولم يستوعبوا كل العمل البطولي النادر الذي فعلته الثورة وكانوا يقولون لي تأمل ضرب الرصاص؟!
وهنا كنت أتذكر قول الجاحظ : (لو قطعت أنف أحدهم بالمقص كان أسهل عليه من استيعاب هذه الفكرة ؟!)
إن مايحدث من إطلاق بعض العيارات النارية يشبه مايطلقه البعض في الجنازات فجثة النظام الشاهنشاهي شبعت موتاً والأمة تحتفل بولادة ثورة وهناك بعض مظاهر الشذوذ في التعبير وهو متوقع فهناك من يعلن عن فرحته بالاهازيج واطلاق العيارات النارية، ولم تنجح الثورة لإنها اصطدمت ببقايا الحرس الامبراطوري من الجيش الايراني الذي تمزق شر ممزق بدون طلقة واحدة.
ولكن هل يمكن لاناس تمكن العنف من مفاصل تفكيرهم أن يستوعبوا هذه الحقيقة؟ لعله من الأسهل أن تقطع أنوفهم بالمنشار وبدون تخدير عن استيعاب حدثاً ضخماً من هذا النوع والحجم؟
مع هذا فإن الأمر المحزن في (السر) الذي استخدمه الخميني ورأى فيه (تكتيكاً ناجحاً) لم يدركه حتى الخميني نفسه أنه (قانون) يمكن تعميمه وتطبيقه حتى في حربه مع العراق، وهذا مايفسر نجاح الثورة المدهش ضد الشاه ونكستها الشنيعة في الحرب بعد ذلك، فبقدر مازلزل الغرب مع اشتعال الثورة بقدر ماوضع رجليه في ماء باردة مع نشوب الحرب مع العراق ؛ فمع الثورة لايوجد علاج، ومع الحرب يملك الغرب كل العلاج؛ فالثورة عندما دخلت ميدان الحرب خرجت من الساحة التي نجحت فيها الى الحقل الذي لاسيطرة لها عليه وتملك أمريكا كل السيطرة فيه؛ فكانت تهدد أوربا في أوقات سوء التفاهم هل أوقف الحرب؟ فالسلاح المتطور كانت تمد به ثلاثون دولة لحرب تقول هل من مزيد في ثماني سنوات عجاف يأكلن ماقدمت لهن من مليون شاب و400 مليار دولار وبما هو أطول من الحرب العالمية الثانية، وكما نجح الخميني في ثورته بهذه الخلطة السحرية من الكيمياء الجديدة التي خرج بها على الناس كان يمكن أن ينجح في حربه ضد العراق وهو الذي يملك من (الكاريزمائية) مايكفي ليخاطب الجماهير فتلبي، خاصة وقد استوعبت درس الثورة السلمي وحققت النجاح بسواعدها العارية، ولربما غيرت هذه الاستراتيجية العالم كله .
كان بإمكان الخميني أن يدفع مئات الآلاف من الناس أن تستلقي أمام الدبابات العراقية من نساء واطفال ورجال وبحضور التلفزيون العالمي بالصوت والصورة كما فعل غاندي مع مسيرة الملح؟
لربما دهست الدبابات الأولى بعض الناس ولكن الجندي العراقي كان سيقع تحت مواجهة قاسية مع ضميره وأصيب بالجنون وهرب من دبابته وانهارت المؤسسة العسكرية العراقية بدون طلقة واحدة كما حصل مع طاغوت سابق أكبر يدعمه طاغوت عالمي، ولكن فكرة (اللاعنف) لم تكن قد استولت على الخميني كما جذَّرت نفسها عند (غاندي).
والله غالب على امره ولكن اكثر الناس لايعلمون.
إن ماحدث في إيران لربما لم يستوعبه حتى الايرانيون! لإن ماحدث بعد ذلك يشير الى عدم الانتباه الى قانون التغيير هذا؛ فبقدر ماكانت ثورة ايران تقول ليس عندي استعداد أن اقتل ولكنني مستعد أن أموت؟ بقدر مابدأت الثورة بعد نجاحها بحفلات إعدام لانهاية له لوثت كل إنجازاتها، وكان بإمكانها أن تقول كما قال محمد ص لأهل مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء؟ أو تفعل كما عملت جنوب أفريقيا بانشاء لجان الاعتراف والمسامحة.
نحن في كلامنا هنا نريد أن نتخلص من أية حساسية ونحن نحلِّل الحدث وننظر اليه في بعده الانساني الذي يخضع لسنة الله في خلقه بعيدا عن السنة والشيعة.
وحاليا ضاعت الثورة في بطن الدولة والتهمها الملالي بوجبة ثرية؟
مايهمني هو تحليل الحدث ضمن (قانون) حدوثه لفهم آلية عمل (القوانين الاجتماعية) ولكن بيننا وبين الادراك بعد المشرقين.
وكل مانكتب لاقيمة له ومايغير الأمم هو المعاناة فقط ولو جاءتهم كل آية حتى يذوقوا العذاب الأليم.
