السبت 27 ديسمبر 2025 الساعة 12:53 م

مقالات وآراء

إرادة التغيير

حجم الخط

في عدد من الدول العربية اكتشفت الأنظمة ما تعتقده سر الأسرار ممثلا في إمكانية التصدي لزحف الجماهير المطالبة بالتغيير عبر "البلطجية" أو "الزعران" ، وأحيانا عبر وسائل مشابهة تتمثل في حشد مؤيدي الأحزاب الحاكمة ، أو لنقل النواة الصلبة من المؤيدين الذين تتضرر مصالحهم جراء التغيير.

 

والحق أنه لو كانت الأرقام التي تعلن لأعضاء الأحزاب الحاكمة ، أو ما يشبهها في الدول التي لا أحزاب حاكمة فيها ، لو كانت تلك الأرقام صادقة ، لما كان بوسع الثورة المصرية أن تنتصر وقبلها الثورة التونسية وتاليا أية ثورة أخرى ، إذ أننا نعلم أن عدد أعضاء الحزب الحاكم في مصر بالملايين ، وفي تونس بمئات الآلاف ، الأمر الذي ينطبق على دول عديدة بدأ فيها الحراك الشعبي كما هو حال ليبيا بلجانها الثورية العتيدة أو اليمن وحزبه الحاكم.

 

إننا إزاء أنظمة مضت عليها عقود من الزمن ، ومن الطبيعي أن تنشأ على هامشها طوابير من المنتفعين ، وهنا تحديدا لا تجد الأنظمة غير هؤلاء تستخدمهم في سياق الدفاع عن نفسها أمام مد الجماهير ، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى صدامات وقتلى وجرحى.

 

في هذا السياق تعتقد الأنظمة أنها عبر طوابير المؤيدين المتحمسين يمكنها أن تحقق عدة أهداف ، فهي بالفوضى يمكنها أن تفض جماهير عريضة من الناس من حول الفعاليات الشعبية ، كما يمكنها القول عبر تلك الممارسات إن الشارع ليس موحدا ضدها ، وأن ما يجري لا يعدو أن يكون تعبيرا عن ثنائية الموالاة والمعارضة التي تتوفر في سائر الديمقراطيات في العالم ، وقد تبرر من خلال ذلك التدخل العنيف بدعوى الحيلولة دون أن يقتل الناس بعضهم بعضا ، وقد تدعي الأبواق التابعة لها كما فعلت في الحالة المصرية أن الملايين التي خرجت إلى الشوارع ضد الرئيس لا تتعدى 5 في المئة من الشعب ، وأن الباقي ليس مؤيدا لهم ، لكأن الذين لم يخرجوا كانوا مؤيدين ، فيما هم في واقع الحال ليسوا كذلك حتى لو لم يخرجوا ، لأن الاحتجاج يبقى نشاط الأقلية ، ولنتذكر أن وراء كل شاب كان يقف في ميدان التحرير أو يتظاهر في شوارع الإسكندرية أسرة تؤيده من أب وأم وإخوة وأخوات صغار وكبار ، بعضهم لا تتيح له ظروفه المشاركة المباشرة.

 

في مواجهة هذه الظاهرة ، ليس أمام قوى المعارضة وفعاليات الشارع سوى الاستمرار في برنامجها لإحداث التغيير ، مع التأكيد على سلمية تحركها ، الأمر الذي قد يكلفها الكثير من الشهداء من دون شك ، لكن من قال إن التغيير يُصنع من دون تضحيات ، وأن الأمم تحيا من دون بذل وعطاء ، بما في ذلك بذل الأرواح والدماء؟، إرادة جماهير الأمة يجب أن تنتصر ، ولا مجال لتحقيق ذلك إلا عبر التحرك السلمي الذي يستمر ولا ييأس ولا يخشى التضحية ، والحمد لله أن كلفة الانتصار في زمن الفضائيات والإعلام المفتوح صارت أقل بكثير مما كانت عليه قبل ذلك.