الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 الساعة 02:33 م

مقالات وآراء

مقالات أخرى للكاتب

صك غفران من نزال

حجم الخط

جسد الناطق باسم حركة فتح جمال نزال حقيقة راسخة في منظومة الإعلام والخطاب السياسي لحركة فتح ومفادها .. من ليس معي فهو ضدي ومن لم يكن فتحاويا في تحليلاته وتغطيته وصوره وآرائه فهو العدو الذي ينبغي تهديده وتحذيره ليعود إلى رشده ويحفظ نفسه ومؤسسته من المارد الأصفر الذي إن كشر عن أنيابه فلن يبق ولن يذر .

لقد أوقفني نزال من خلال مقال له نشر بتاريخ (18/8/2007) تحت عنوان (نقد لوكالة معا للتضامن معها) وشعرت بعد قراءة المقال  بندمه عندما وصف ذات الوكالة بتحيزها لجهات غير فتحاوية وأحسست بأنه يعطى للوكالة صك غفران فتحاوي لها بعد الاختلاف الكبير الذي أبدته في تعاطيها مع الأحداث الفلسطينية الأخيرة بحسب المراقبين الذين لمسوا تغيرا ملحوظا في السياسة التحريرية لها ، الأمر الذي جعل نزال يعجب بهذا التغير الذي يصب في مصلحة حركته بالدرجة الاولى ويقر بأنه ' ربما لم نكن قد فهمنا وجهة معا بعد ' ، بل ووجد في ذلك نجاحا للوعيد الذي أطلقه للوكالة بتاريخ 15 / 01 / 2007 حينما هددها باتخاذ اجراءات ضدها في حال واصلت سياستها التحريرية التي وصفها بـ 'المنحازة لحركة حماس' وهو ما نفته الوكالة يومها جملة وتفصيلا و أسفت على هذا الهبوط الاعلامي الذي لا يليق بناطق لحركة كفتح  .

ومن يرجع الى البيان الذي هدد فيه نزال وكالة معا يقف عند جملة شكلت وقتها تهديدا سافرا لحرية الرأي والتعبير وهبوطا في خطاب فتح الإعلامي القمعي ضد كل من يعترض على سياستها أو يحاول نقل حقيقة الاحداث بعين غير فتحاوية حيث قال يومها متوعدا الوكالة 'وعليه فنحن في فتح نلفت نظركم اننا سنتعامل معكم كما تعاملنا مع غيركم '.!! وقد فسرت كلمة  'غيركم ' يومها بقناة الجزيرة الفضائية والتي حرقت إحدى سيارات بثها بعد أيام من حمله تحريضية ضدها شنها أبو على شاهين القيادي في فتح .

تهديد آتى أكله بعد أشهر من إطلاقه وأثمر بحسب بعض المتابعين للوكالة التي تعاملت مع بعض الأحداث من وجهة نظر نزال الذي أشهر سيفه بوجه حرية رأي تباكى عليها في مقاله الجديد والتي أظهرت عيوبا وتناقضا في مواقفه  والتي تمثل بالضرورة سياسة حركة فتح .

1-  في بداية مقاله يقول ' تعرضت وكالة معا لاتهامات مكرورة من حركة حماس لوكالة معا بالانحياز ضد 'الحقيقة... ' ونسي أنه قبل أشهر هدد الوكالة واتهمها بعدم الحيادية.. وكأن الانتقاد مقصور على فتح  وهو بذلك عين الصواب وهو النقد الايجابي البناء ،وان من غيرها فهو الاعتداء على الحريات العامة وملاحقة الصحافة وقمعها!!! والمضحك أنه يبرر لهذه الكذبة   بقوله (عندما تندفع جهة سياسية(كفتح مثلا) إلى الإطراء على وسيلة إعلام معينه !!! فتلك صورة من صور 'قبلة الموت'  وهو يريد من وراء هذا المثل أن يستبق أي نقد يوجه إليه بعد هذا الاختلاف الواضح خلال أشهر ويناقض نزال نفسه ويواصل الحديث عن إدانة حركته لأي صوت لا يتماشى مع مواقفها فيستغرب من ' نجاح حركة المسار الواحد بالتغلغل في الصحافة الفلسطينية من غير ما إحم ولا دستور ' وهو يقصد نجاح حماس بعد أن أثبتت تقدمها الإعلامي وحضورها الواسع في وسائل الإعلام في وقت شهد الآخرون تراجعا وتدنيا وهبوطا في الخطاب والتصريحات والمواقف ،  وهذا ما أزعج نزال يومها وعاد اليوم ليصحح المسار ، وعندما لاحظ نزال أن معا قد تغيرت لصالح حركته كما يرى بعض المراقبين تذكر المهنية والحيادية وأدرك المسؤولية الوطنية للإعلام قائلا ' يجب على أي وسيلة إعلامية أن تظل صديقا للحقيقة بلا مواربة ولا ممالأة ؟؟؟. سبحان مغير الأحوال

2-  يستذكر نزال مقال التهديد لمعا قبل أشهر ويبدي أسفه عليه وتعجله بالحكم على معا قائلا  ' ربما لم نكن قد فهمنا وجهة معا بعد ' ومشبها جهله بجهل الملك الإفرنجي الذي لم يعرف حقيقة ساعة لها عقارب أهديت له من ملك عربي .. ولكن السؤال ماذا لو لم تغير معا من سياستها ولم يكن لتهديده السابق أي أثر عليها هل كان لهذا المقال وجود وهل كان سيمتلك الجرأة ليعترف بالتعجل والحماقة والجهل ؟؟؟ .       

3-  رغم الإطراء والمدح الكبير لوكالة معا  إلا أن نزال يرى أنها تحتاج المزيد لمحاربة الحرية وتعدد الآراء ويلومها لأنها أتاحت المجال للجميع بلا ولاء للسياسة أو صداقة مع السياسيين ' فهو يريدها بوقا له وناطقة باسمه ، وما زال في مقاله يتهم نفسه بالغباء والجهل لانه أخذ وقتا حتى فهم الوكالة جيدا قائلا : ' طولنا قبل أن نفهم رسالتهم يا أخي'  و يتجاوز نزال بحزبيته  ومطالبه القمعيه وكالة معا الى تلفزيون فلسطين و يريده ان يكون أكثر تطرفا واقصاءا من الحال الموجود عليه الان  فيوجه له لومه الشديد لانه سمح لحماس في فترة معينة من الحضور والظهور.

4-  يعترف نزال من خلال مقاله بالاسلوب القمعي لحركته في مواجهة الاعلام وحرية الرأي ويؤكد على حقيقة مارستها فتح ضد وسائل الاعلام المختلفة بمحاربتها ومواجهتها اذا كانت رسالتها متناقضة معها عندما يقول لمعا معتذرا عن تهديد سابق لها ' أنه كدنا أن ندخل بهم الجنه!  . والجمله واضحة لا تحتاج الى اجتهاد في تفسيرها حيث من المعلوم كيف وبأي وسيلة ندخل الجنة ؟؟

5-     كعادة اعلام فتح وناطقييه امتلأ المقال بالشواهد والنماذج والامثلة التي لا رصيد لها من الواقع وساق اتهامات لم نسمع عنها الا من الوسائل الاعلامية التابعة لفتح دون صور أو مشاهد تؤكد حديثهم ، وما هو موجود اعترفت به حماس _ لا نبرؤها من بعض الاخطاء _  ونقلته وسائل الاعلام  بكل جرأة بل وتحدثت حماس بانها ستحاسب المقصرين تحت شعار ' لا عمل بدون أخطاء ' ولكن دون مزايدات او تضخيم أو تلفيق وهو الامر الذي كرسه نزال في مقاله مستفردا بالحقيقة المطلقة والمعلومات التي لا يشق لها غبار ولا ضير _ من وجهة نظره _ من الاعتذار والانحناء وضرب التحية ان تغيرت المواقف وجاءت وفق هوى نزال فهو بطيئ الفهم كما صرح في مقاله ' طولنا قبل أن نفهم ' .

6-    يعض نزال في مقاله على اصابع الندم لان حركته جربت الشراكة السياسية مع ابناء الوطن ويصف ذلك التاريخ بموسم الوهم الذي سعت فتح لاجهاضه قبل أن يكون واقعا وكان وهما حقيقيا في اللحظة الاولى لتوقيعه قائلا ' أعطينا حماس من حيز على بساط الشراكة السياسية في موسم الوهم الوطني الكبير'. ولم يندم لحظة على سنوات الشراكة والتنسيق الامني والمفاوضات واللقاءات التي لم تنقطع مع العدو الصهيوني حتى في أشد ساعات العدوان قسوة ، ولندمه هذا اشارة تتضمن تمني عدم تكرار التجربة التي جاءت متأخرة مع امكانية تواصلها مع العدو الحقيقي للشعب الفلسطيني .

7-    بعد الاعتذار يطالب نزال في نهاية مقاله معا بألا تعود الى ذات الاسلوب قبل 15 / 01 / 2007 ولكن هذه المرة دون تهديد واضح بل ويتهمها وبعض وسائل الاعلام بتهمة عبرت عن فكره الضيق وهي اشارة جديدة للتناقض الذي بنى عليه مقاله قائلا ' لكن هناك تهمة لن نستطيع تبرئته منها: لقد شقوا في فلسطين طريقا سريعا للفكر التعددي. ' فهو لا يريد تعددية ولا رأي آخر والا....

لقد أوقع نزال نفسه في دائرة الاتهام مرتين مرة عندما هدد معا لانها انحازت عن الخط الفتحاوي ومرة ثانية عندما أثنى عليها طالبا منها أن تبقى على ذات النهج الذي تريده فتح دون أن يترك أي مجال للتعددية أو الخلاف ، ليبقى نزال أكثر النماذج الفتحاوية تعبيرا عن القمع الفكري والوطني دون خجل .